في “سراب” تغدو مسألة الجذور سفرا موسيقيا بين أكثر من ذاكرة وأكثر من فضاء، إذ تقترح المجموعة تجربة ترى في الهوية مادة قابلة لإعادة الاكتشاف والتشكيل.
بين الصوت العربي والروك والمقامات الشرقية والإلكترونيات، تتشكل موسيقى تبحث عن نقطة التقاء بين ما حملته المنطقة من تراث وما فرضه الحاضر من تحولات.
“سراب: مشروع سوري فرنسي تقوده المغنية كليمان زرقان، وترافقها تشكيلة موسيقية تضم بابتست فيرانديس على الغيتار، وتيبو غوميز على البيانو والكيبورد، وتيموتي روبير على الباص، وبول بيرن على الدرامز.
وانطلاقا من تركيبته، يتضح أن المشروع قائم على فكرة الحوار فالموسيقى الشرقية ليست عنصرا يزين الروك، والالكترونيات ليست تفصيلا لتحديث أغنية عربية قديمة.
كل العناصر تتداخل في بناء صوت جديد يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بين أكثر من ثقافة وأكثر من حساسية موسيقية.
ويحمل مشروع المجموعة الذي يشارك في أيام قرطاج الموسيقية، عنوان “مية وردة”، ويحيل إلى دلالات مفتوحة على أكثر من قراءة. فالوردة، بما تحمله من معاني الجمال والهشاشة والذاكرة، تختصر رحلة موسيقية تتشكل من تفاصيل كثيرة ومتباينة.
و”مية وردة” تسمية شاعرية، تشير إلى تعدد العناصر التي يتكون منها المشروع، أصوات وذاكرات وتأثيرات موسيقية تتجاور لتصنع في النهاية باقة واحدة، لا تلغي فيها كل وردة خصوصيتها، لكنها تكتسب معنى آخر داخل المجموعة.
وفي هذا العالم المتفرّد، يحتفظ صوت كليمان زرقان بمركز التجربة، صوت عربي يحمل في نبرته شيئاً من ذاكرة المنطقة، لكنه لا يبحث عن العودة إلى شكل غنائي تقليدي.
الكلمات، والمقامات، وطريقة الأداء، كلها تتحرك داخل بنية موسيقية حديثة، فيما يمنح الغيتار والدرامز والباص والكيبورد الأغنية طاقة قريبة من الروك، قبل أن تتدخل الإلكترونيات لتضيف طبقة أخرى من التوتر والاتساع.
في “سراب” لا يُظهر الشرق صورة فولكروية ولا يتحول الغرب إلى مرجعية ينبغي تقليدها، وتسود محاولة للخروج من هذه الثنائية أصلا. فالموسيقى تتشكل في منطقة ثالثة، منطقة لا تلغي الأصل ولا تتوقف عنده، وتراكم تفاصيلها من التساؤل عن مآلات حوار فعلي بين المقامات الشرقية وموسيقى الروك، وإلباس الشعر العربي طاقة مختلفة عن القوالب التي اعتادها المستمع.
وتسمية المشروع بـ”سراب” تفتح بدورها بابا للتأويل، فالسراب هو ذلك الشيء الذي يبدو قريباً كلما حاولنا الإمساك به، ثم يبتعد.
وهو، في سياق هذه التجربة، يمكن أن يكون استعارة عن البحث الدائم عن فضاءات أخرى ممكنة للصوت.
وعلى الركح تتشابك الهويات وتتزاحم الأصوات، تغازل الذاكرات وتفتح العقول والعواطف على فيض من الأسئلة وتتراءى حالة فنية عصية على التوصيف.
لكل عازف حالة الخاصة في المجموعة ولكن الجميعة متماه بطريقة تجعل الموسيقى تنساب بطريقة ساحرة، تتواتر معها التلوينات الموسيقية تثير فيك رغبة في أن تمسك النوتات.
ولكنك كلما اقتربت منها ابتعدت عنك تماما كما السراب، وتستمر في إغرائك وتراقص الموسيقى إدراكك ويحملك صوت كليمان زرقان إلى عوالم أخرى.
وفي الأغاني، يظل الشعر العربي رابطا أساسيا بالمنطقة، لكن الموسيقى المحيطة به تدفعه إلى فضاءات أخرى.
وتدخل الكلمات في نسيج الموسيقى، تتوتر مع الإيقاع، وتنساب مع الجمل الموسيقية، ثم تنفتح فجأة على صوت الغيتار أو على نبض إلكتروني.
ويظهر الروك كطاقة في الأداء، وفي الإيقاع، وفي حضور الآلات، وفي الرغبة في دفع الأغنية إلى مناطق أكثر كثافة. وهو ما يسمح للموسيقى الشرقية بأن تتخلص من الصورة النمطية التي تحصرها في الهدوء أو الطرب التقليدي، وتكشف عن جانب آخر أكثر توتراً وحركة.
وتتولى الإلكترونيات مهمة إضافية في هذه المعادلة، إذ تفتح المجال أمام أصوات ومساحات لا توفرها الآلات التقليدية وحدها. فتبدو الموسيقى أحياناً وكأنها تتنقل بين زمنين، بين ذاكرة تحملها المقامات والصوت العربي، وحاضر تصنعه المؤثرات الإلكترونية والبنية الحديثة.
وبين الاثنين، لا يختفي الماضي ولا يهيمن على الحاضر، ويدخل الزمنان في مفاوضة موسيقية مستمرة.
وهذه النقطة مهمة في تجربة “سراب”، لأن المشروع لا ينطلق من رغبة في تقديم “الموسيقى الشرقية” لجمهور غربي، ولا من محاولة لإضفاء طابع شرقي على الروك. إنه، بالأحرى، نتاج فضاء ثقافي عابر للحدود، تتجاور داخله تجارب مختلفة بصورة طبيعية.
فموسيقى المجموعة تعكس حياة جيل لم تعد هويته الموسيقية قابلة للتقسيم بهذه السهولة بين خانة شرقية وأخرى غربية.
ومع صوت كليمان زرقان يصنع العازفون بابتست فيرانديس بالغيتار، تيبو غوميز بالكيبورد والبيانو، تيموتي روبير بالباص وبول بيرن بالدرامز، جسما موسيقيا واحدا.
لكل آلة دور في بناء هذا الصوت، الغيتار يحمل شيئاً من صلابة الروك، والباص يمنح الموسيقى عمقها، والدرامز تضبط اندفاعها، فيما يفتح البيانو والكيبورد المجال أمام الانتقال بين المساحات الشرقية والإلكترونية.
ووسط كل هذا الزخم، يأتي صوت زرقان ليمنح هذه العناصر رابطها الإنساني واللغوي، وتولد تجربة ولدت من رحم التلاقي
بين عوالم مختلفة، واستفادت منه لتبني شخصيتها الخاصة.
ولأن “سراب” يحمل أيضاً ذاكرة سورية، فإن حضور الصوت العربي فيه لا يمكن فصله عن معنى أوسع يتعلق بالاقتلاع والانتقال والحنين وإعادة بناء المكان في الذاكرة.
لكن المشروع لا يحول هذه المعاني إلى خطاب مباشر، ويترك للموسيقى أن تقولها ويتبدّى الحنين في المحاولة المستمرة للبحث عن شكل جديد للانتماء.
و”سراب” أقرب إلى تجربة موسيقية عن العبور، عبور بين البلدان، وبين اللغات الموسيقية، وبين الذاكرة والحاضر، وبين ما نرثه وما نعيد اختراعه.
وفيه لا تقف الموسيقى عند حدود الجغرافيا، تحمل المكان معها، ثم تتركه يتغير كلما دخل في فضاء جديد.
وتكمن خصوصية هذه التجربة في الروابط التي تنسجها بين أنماط موسيقية مختلفة وتخلق وطنا مؤقتا للموسيقى. فالمقامات الشرقية لا تفقد معناها حين تدخل إلى عالم الروك، والشعر العربي لا يفقد جذوره حين تحيط به الإلكترونيات، والصوت القادم من الذاكرة السورية لا يحتاج إلى أن ينعزل حتى يحافظ على هويته.