في قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة ، كان العود التونسي يستعيد أصداء ذاكرة موسيقية عريقة وصوتا يبحث عن امتداداته الممكنة، وعن مساحات جديدة يتنفس فيها خارج القوالب المألوفة.
بين أنامل زياد المهدي، كانت الأوتار تفتح أبوابها للمقامات التونسية، فيما ينساب البيانو إذ تلامسه أنامل كايل شافر في مسار موازٍ، يقترب من العود تارة، ويبتعد عنه تارة أخرى، قبل أن يلتقيا في حوار موسيقي تحكمه احتمالات الارتجال.
في هذا اللقاء بين العود والبيانو ضمن المهرجان الدولي للعودبالمدينة، لا تتقدّم آلة على حساب أخرى، ولا يكتفي أحدهما بمرافقة الآخر.
إنصات متبادل، والتقاط للجمل الموسيقية، واختبار للمسافات التي تفصل بين صوتين مختلفين، قبل أن تتحوّل تلك المسافات نفسها إلى مجال للتلاقي.
بينما يحتفظ العود بخصوصية صوته وما تختزنه أوتاره من ذاكرة المقامات التونسية، يعد البيانو شريكا في بناء الجملة الموسيقية، يوسّع أفقها ويمنحها إمكانات أخرى للحركة.
حين تتحرّر المقامات من حدودها
يستمدّ هذا الحوار الموسيقي قيمته من اجتماع العود والبيانو ومن طبيعة العلاقة التي تتشكّل بينهما.
فالمقامات التونسية، بما تحمله من خصوصية لحنية وتاريخ من التراكم الموسيقي، لا تحضر باعتبارها مادة محفوظة ينبغي إعادة إنتاجها كما هي، وإنما بوصفها أرضية قابلة للاكتشاف وإعادة التشكيل.
يمنح الارتجال العازفين مساحة لاختبار إمكانات هذه المقامات، وتوسيع جملها، والانتقال بها نحو مسارات غير متوقعة.
وفي المقابل، لا يعني انفتاح العود على لغة البيانو التخلي عن هويته، هو اختبار قدرة هذه الهوية على الدخول في علاقة خلاقة مع لغة موسيقية أخرى.
فالتفاعل بين المقامات التونسية وروح الجاز لا يقوم بالضرورة على صهر الخصوصيتين في صوت واحد، وإنما على إبقاء الاختلاف حاضرا، ومنحه فرصة التحوّل إلى عنصر إبداعي.
في عزف زياد المهدي، يبدو العود نقطة ارتكاز لهذا المشروع، آلة تحمل أثر التقاليد الموسيقية التونسية، لكنها لا تنغلق داخلها.
ومن الجهة المقابلة، يفتح البيانو الذي يعزف عليه الأمريكي كايل شافر مجالا مختلفا للتعبير، مستندا إلى خبرته في موسيقى الجاز وما تتيحه من مرونة في بناء الجمل والارتجال.
وبينهما، تتشكّل لغة لا تنتمي إلى الماضي وحده، ولا تستعير الحداثة، هي لغة تسعى إلى بناء توازن بين ذاكرة موسيقية متجذّرة وحاضر يتيح لها أن تتجدّد.
كيف يمكن أن يظلّ التراث حيّا؟ وكيف يستطيع أن يعبر إلى الحاضر دون أن يتحوّل إلى أثر جامد أو مادة للاستهلاك العابر؟
على إيقاع هذا السؤال تتشكّل أهمية مشروع “سماء تونس”، الذي يلتقي فيه زياد المهدي وكايل شافر تحت إشراف الموسيقي والمنتج ظافر يوسف.
مساحات أكثر حرية
على امتداد العرض، لم يكن الإصغاء منفصلا عن التفاعل. فكلما انتهت معزوفة، انطلق تصفيق الجمهور، كأنّ القاعة تردّ على ما تركته الموسيقى فيها، وتمنح العازفين إشارة إلى وصول الجمل الموسيقية إلى مستمعيها.
وكان التصفيق فاصلا قصيرا بين عوالم صوتية تتوالى، وفرصة لاستعادة ما مرّ من نغمات قبل أن تبدأ رحلة أخرى.
وفي هذا التفاعل، تتّخذ الموسيقى شكل علاقة متبادلة بين الخشبة والقاعة. فالعازف يختبر صوته أمام الجمهور، والجمهور يمنح ذلك الصوت امتداده الإنساني، فيما تظلّ المساحة بينهما مفتوحة على الإصغاء والمفاجأة.
لا تحتاج الموسيقى إلى كلمات تشرح مسارها، ولا إلى حكاية جاهزة تفرض على المستمع معنى بعينه، يكفي أن تترك له مجالا ليتبع النغمات، وأن يعثر في انتقالاتها على ما يلامس تجربته الخاصة.
ولعلّ ما يمنح هذه التجربة شيئا من خصوصيتها هو أنّ العود، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالموروث الموسيقي التونسي، لا يبدو أسير صورة واحدة.
فهو قادر على حمل الجملة التراثية، وعلى الدخول في مساحات أكثر حرية، وعلى محاورة البيانو.
وبين النغمات التي يستدعي فيها ذاكرة المقامات، وتلك التي يغامر فيها باتجاهات جديدة، يكتشف المستمع أنّ الآلة التي يعرف صوتها تستطيع أن تفاجئه كلما وجدت من يستنطق إمكاناتها.
ظافر يوسف… منتج خارج المألوف
في خلفية هذا المشهد، كان ظافر يوسف يتابع العرض ويشرف على الصوت رفقة أيمن البوغديري، بعين المنتج الذي لا تقتصر مهمته على تقديم الموسيقى إلى الجمهور، وتشمل أيضا رعاية الشروط التي تسمح لها بأن تبلغ مداها.
لم يكن حضوره منفصلا عن التجربة، حتى وإن لم يكن في واجهة الخشبة، فالمشروع الذي يجمع زياد المهدي وكايل شافر يحمل أثر رؤية فنية تسعى إلى اكتشاف لغة موسيقية جديدة، انطلاقا من معرفة عميقة بالتراث التونسي وانفتاح على التجارب المعاصرة.
وتتجاوز أهمية هذه الرعاية مجرّد إنتاج عمل موسيقي أو مرافقة عازف في بدايات مشروعه. إنها تتيح للموسيقي أن يطوّر صوته الخاص، وأن يختبر خياراته، وأن يدخل إلى فضاء التجريب من دون أن يقطع صلته بما راكمه من معرفة.
لكل آلة كيانها ولكل منها خصوصياتها لتجد مكانها في حوار متكافئ، تتولّد منه إمكانات لم تكن لتظهر في العزف المنفرد.
وحين ذكر زياد المهدي اسم ظافر يوسف في ختام العرض، ودعاه إلى الصعود إلى الخشبة، اختار الأخير البقاء في مكانه، تاركا للعازفين واجهة المشهد.
كانت لحظة قصيرة، لكنها أضافت إلى صورة المشروع تفصيلا دالّا، فالمنتج الذي أسهم في احتضان التجربة لم يكن بحاجة إلى انتزاع مركز الضوء كي يؤكد حضوره فيها. ظلّ مكانه، حيث تابع الصوت، وأخذ العازفان نصيبهما من التحية.
ومن وراء الكواليس، كانت أيضا شيراز الفرادي تلاحق التفاصيل وتراقب الصغائر حتى تجد موسيقى زياد المهدي وكايل شافر طريقها إلى الأرواح قبل الآذان.
“سماء تونس”… من الذاكرة إلى إمكان جديد
لا ينفصل هذا اللقاء عن الخلفية التي يستند إليها مشروع “سماء تونس”، الذي يستعيد، في تصوّره الفني، روح الحوار بين العود التونسي والبيانو كما عرفتها تجارب موسيقية في خمسينيات القرن الماضي، من بينها لقاء خميس ترنان بعازف البيانو محمد قادري.
واستعادة هذه الذاكرة تحيل إلى ما فيها من انفتاح على الآخر، ومن قدرة على جعل التقاليد الموسيقية مجالا للتفاعل.
في قاعة المبدعين الشبان، كان العود يروي شيئا من ذاكرة تونس وكانت نغمات البيانو توسّع فضاء الحكاية، وكانت مساحات الارتجال تترك أبوابها مفتوحة أمام ما لم يُعزف بعد. وبينهما، كان زياد المهدي يختبر إمكانات آلة يحملها تاريخ طويل، من دون أن يتعامل مع ذلك التاريخ باعتباره عبئا أو سقفا نهائيا.
ومع تصفيق الجمهور بعد كل معزوفة، بدا أنّ ما يجري على الخشبة لا يتعلّق فقط بلقاء آلتين، بل بإمكانية أن تتجدّد العلاقة بين الذاكرة والمغامرة، بين ما ورثناه وما نستطيع أن نضيفه إليه.