في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان، تجلّت واحدة من أكثر اللحظات إيحاءً حين التقت الممثلتان أدال إكزاركوبولوس وليا سيدو مجدداً على البساط الأحمر، فتعانقتا طويلاً وتبادلتا الهمسات، كأنهما تستحضران ذكرى مشتركة لا تزال حيّة تتقد في أعماقهما. لقاءٌ بدا للوهلة الأولى احتفاءً بصداقة صلبة، غير أن المتمعن فيه سيستشف أن المخرج عبد اللطيف كشيش هو الأكثر حضوراً فيه رغم الغياب.
عام 2013، حصد فيلم “حياة أدال” للمخرج الفرنسي التونسي عبد اللطيف كشيش السعفة الذهبية، في سابقة نادرة حين مُنحت الجائزة للمخرج والممثلتين معاً، اعترافاً بأن ما قدّمتاه تجاوز حدود الأداء إلى ضرب من التجلّي الإنساني.
آنذاك كانت أدال لم تتجاوز التاسعة عشرة، وقفت على تلك المرحلة الكبرى وهي تكاد لا تصدّق ما يجري حولها. واليوم ترسّخ حضورها كممثلة تتلوّن بين الأدوار، في المسابقة الرسمية بفيلم “Garance” للمخرجة جان هيري. وقد كانت قبل ذلك قد عادت إلى الكروازيت عام 2016 في فيلم The” “Last Face لشون بن، ثم توالى حضورها في أسبوع النقاد عام 2021 بفيلم “Rien à foutre”، وفي 2022 بفيلمَين في عالمين متضادَّين في “Fumer fait tousser” خارج المسابقة، و”Les Cinq Diables” في أسبوع المخرجين. ثم عام 2023 في قسم “نظرة ما” بفيلم”Le Règne animal”، قبل أن يعيدها جيل للوش إلى المسابقة الرسمية عام 2024 بالملحمة الرومانسية “L’Amour ouf”.
بعد ثلاثة عشر عاماً على سعفتهما المشتركة، تحضر ليا سيدو هي الأخرى على الكروازيت في المسابقة الرسمية بفيلمَين هما “Gentle Monster” لماري كرويتزر و”L’Inconnue” لآرثر هراري. وقد كانت قد عادت إلى المسابقة من قبل عام 2015 بفيلم “The Lobster” ليورغوس لانتيموس، ثم عام 2016 بفيلم “Juste la fin du monde” لكزافييه دولان. وهكذا تكون 2026 المرة الثالثة التي تلتقيان فيها معاً في المسابقة الرسمية منذ تتويجهما.
وبعد حياة أديل، شقّت كل من الممثلتين طريقها بثبات واستكشفت عالم التمثيل من بوابات مختلفة وتلوّنت بين الشخصيات. هذه المسارات التي تتشابك أحياناً، يتجلى فيها حضور كشيش في كل لقاء.
ورغم ما أثاره الفيلم من حديث سواء على مستوى جرأة الموضوع إذ يحكي قصة حب مثلية تجمع بين فتاتين ويصور مشاهد جريئة أسالت كثيرا من الحبر، فهو الذي أسس لصداقة “أديل” و”ليا”.
جدل مزدوج، من داخل فريق العمل حيث تحدثت الممثلتان عن ظروف تصوير قاسية، ومن الخارج حيث ذهب البعض إلى اعتبار بعض مشاهده تجاوزاً، فإنه هو الذي أسّس لصداقة أدال وليا. وخلف لحظة العناق المضيئة بين الممثلتين، تختمر حكايات كثيرة عن الصناعة السينمائية وعن الأساليب الإخراجية والأحكام الأخلاقية.
قبل ثلاثة عشر عاماً، اختار المخرج التونسي الفرنسي فتاةً في التاسعة عشرة اسمها أدال، وضمّها إلى ليا سيدو في فيلمه حياة أدال.
حينها، لم يكن أحد يعلم أن هذا الاختيار الفني لن يصنع فيلماً فحسب، بل سيؤسس لصداقة ستصمد أكثر من عقد، وستصبح من أكثر الصداقات حديثاً في تاريخ السينما الفرنسية.
كشيش هو من وضع هاتين الروحين في مواجهة بعضهما، وهو من أدار المشاهد التي وُلدت فيها تلك الكيمياء.
وعقب عرض “غارانس”، حين تعانقت الصديقتان وسط الدموع والتصفيق، كان كشيش هناك رغم غيابه فهو الفصل الأول من قصة لا تزال الصحافة تحتفي بها والجمهور يصفّق لها، لكن جذرها الخفي يعود إلى رجل قرر ذات يوم أن يجمع بينهما.
حين وصلت أدال إلى كان وعلى صدرها قميص مطرّز بصورة ليا وعبارة “Léa Forever”، وحين ردّت ليا بقميص يحمل اسم أدال، بدا المشهد وكأنه قصة صداقة بين ممثلتين. لكن في الحقيقة، هذه الصداقة الأبدية التي تتحدثان عنها بدأت مع فيلم كشيش، رغم كل الجدل.
وبعد غياب عن “كان”، عاد كشيش سنة 2019 بفيلم “مكتوب، ماي لوف: إنترمتزو” وهو تتمّة لجزء أوّل قدّم في دورة العام 2017 من مهرجان البندقية تحت عنوان “مكتوب ماي لوف: كانتو أونو”.
وفي لوكارنو جاء الفصل الثالث من السلسة “مكتوب، حبّي: أنشودة ثانية” مع كثير من التوقعات خاصة مع ما يرافق كشيش من جدل مستمر.