169

بقلم : رانيا الحمامي*
ترأس الهيئة الجديدة لعمادة المهندسين التونسيين المهندس محسن الغرسي، الذي تم انتخابه عميداً للمهندسين التونسيين. ويُعد الغرسي أول عميد للمهندسين التونسيين قادم من القطاع الخاص ومن فئة المهندسين أصحاب المؤسسات، وهو ما اعتُبر عند انتخابه مؤشراً على توجه جديد داخل العمادة نحو توسيع التمثيلية والانفتاح على مختلف مكونات المشهد الهندسي.
ومنذ انتخاب الهيئة الجديدة، شهدت العمادة حركية لافتة على المستويين التنظيمي والاتصالي، في محاولة لإعادة تعريف دورها وتوسيع مجال تدخلها خارج الإطار التقليدي المرتبط بالتسجيل والتأطير المهني. وتكشف متابعة الأنشطة والقرارات والتوجهات المعلنة خلال سنتي 2025 و2026 عن توجه واضح نحو تحويل العمادة إلى فاعل وطني قادر على المساهمة في صياغة السياسات العمومية والخيارات التنموية، إلى جانب أدوارها المهنية التقليدية.
توجهات اصلاحية
أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة يتمثل في إعادة تنظيم الهياكل الداخلية للعمادة من خلال إحداث أو تفعيل عدد من المكاتب واللجان المختصة. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في بناء مؤسسة أكثر قدرة على إنتاج الرؤى والمقترحات الاستراتيجية، بدل الاكتفاء بالوظائف الإدارية والتنظيمية التي ارتبطت تقليدياً بالعمادة.
كما احتل ملف التحول الرقمي موقعاً مركزياً في خطاب الهيئة الجديدة، حيث أكد المجلس الوطني المنعقد بسوسة في ماي 2026 التوجه نحو رقمنة شاملة للخدمات والإجراءات وآليات التصرف. ولا يقتصر هذا المشروع على تطوير الخدمات الإلكترونية، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تحديث طرق العمل وتعزيز النجاعة الإدارية وتسهيل علاقة المهندس بمؤسسته المهنية. ويبدو أن الهيئة تسعى إلى جعل الرقمنة أحد الأعمدة الأساسية لعملية الإصلاح المؤسساتي التي تقودها.
ومن بين العناصر التي برزت منذ تولي الهيئة الجديدة القيادة مسألة العناية بالمقر وإعادة تهيئة الفضاءات التابعة للعمادة على مستوى مركزي وجهوي، وهو ملف قد يبدو في ظاهره مرتبطاً بالبنية التحتية فقط، لكنه يحمل في الواقع أبعادا رمزية ومؤسساتية أعمق. فالخطاب الذي رافق هذا التوجه انطلق من فكرة مفادها أن صورة المؤسسة جزء من صورة المهنة نفسها، وأن مقر العمادة لا يمثل مجرد فضاء إداري، بل واجهة رمزية تعكس مكانة المهندس داخل المجتمع والدولة، يجب أن يعكس مستوى القيمة العلمية والتقنية والرمزية للمهندس التونسي، وأن العناية به تندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة الاعتبار إلى المهنة وتعزيز صورتها لدى الرأي العام.
ومن أبرز التحولات التي سجلتها المرحلة الحالية سعي العمادة إلى التموضع كفاعل وطني في الملفات الاستراتيجية. فقد شاركت العمادة في نقاشات متصلة بالسيادة التكنولوجية والطاقة والتنمية الجهوية والأمن الفلاحي ونظمت تظاهرات فكرية وعلمية تدعو إلى وضع المهندس في قلب الخيارات الوطنية الكبرى.
على مستوى التشغيل، أعلنت العمادة عن جملة من المبادرات من بينها إبرام اتفاقيات تعاون مع الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل، وتكثيف نشر عروض الشغل والمناظرات، إضافة إلى تعزيز التواصل مع المؤسسات الاقتصادية والسعي إلى الاستفادة من الكفاءات التونسية بالخارج. غير أن هذا الملف يبقى من أكثر الملفات حساسية، نظراً لاستمرار تحديات البطالة وهجرة الكفاءات التي تؤرق قطاع الهندسة في تونس.
ومن بين المشاريع التي برزت خلال هذه العهدة مشروع “علامة المهندس التونسي”، إلى جانب إصدار مواثيق جودة والتأكيد المتكرر على دور المهندس باعتباره فاعلاً أساسياً في التنمية والسيادة الوطنية.
كما حرصت الهيئة على إبراز أهمية إشراك الشباب وتعزيز حضور المرأة داخل الهياكل المهنية.
وشكل المجلس الوطني المنعقد بسوسة في ماي 2026 محطة محورية في مسار الهيئة الجديدة، إذ رسخ التوجهات الكبرى المتعلقة بالرقمنة والحوكمة والسيادة التكنولوجية وإصلاح المهنة.
اذ أن القراءة النقدية لمخرجاته تشير إلى أنه كان أقرب إلى مجلس لتأسيس الرؤية وتحديد الاتجاهات الاستراتيجية منه إلى مجلس يقدم حصيلة نتائج ملموسة حيث تخلله يوم خاص بورشات عمل متنوعة تلامس مشاغل المهندس وتطلعاته. وقد نجح المجلس في رسم ملامح مشروع مؤسساتي جديد للعمادة، لكنه ترك في المقابل ملف التنفيذ وتحويل الرؤى إلى مكاسب مهنية محسوسة مفتوحاً على التحديات والانتظارات.
الانتظارات والتحديات
رغم الحركية الملحوظة التي شهدتها عمادة المهندسين التونسيين منذ تولي الهيئة الجديدة مهامها، ورغم تعدد الأنشطة واللقاءات والورشات والمبادرات فالرهان الحقيقي بالنسبة إلى المهندسين لا يتعلق بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات أو اللجان المحدثة، بل بقدرة العمادة على إحداث تغيير ملموس في واقع المهنة ومكانة المهندس داخل الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ويبقى القانون الأساسي الجديد المنظم للعمادة يمثل الملف الأكثر أهمية بالنسبة لمستقبل القطاع. ورغم تكرار الحديث عنه باعتباره أولوية استراتيجية، فإن المهندسين ما زالوا ينتظرون رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع. فبعد سنوات من النقاشات والمشاورات، يبقى السؤال قائما: متى يتحول هذا المشروع إلى واقع قانوني يغيّر حقيقة شروط ممارسة المهنة ويحمي المهندس ويعزز دوره داخل المنظومة الاقتصادية والتنموية؟
كما ان أكثر الملفات إلحاحا اليوم هو الوضعية المتدهورة للمهندس داخل القطاع العمومي. فالإدارات والمؤسسات العمومية تشهد نزيفا حادا لابتعاد الكفاءات الهندسية خاصة أصحاب الخبرة منهم بسبب ضعف الحوافز وتراجع الأمان المهني مقارنة بالقطاع الخاص أو بالفرص المتاحة خارج البلاد.
وباعتبار أن ذلك له تاثير شديد على كل الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية والسيادية في البلاد ، ينتظر المهندسون في القطاع العام مبادرة قوية ومشروعا متكاملا يعيد الاعتبار للمهندس داخل أجهزة الدولة ويمكنه من ممارسة مهامه بإرياحية ويضع حدا لاستنزاف الخبرات الوطنية.
وفي نفس الإطار الذي يهم مهندسي الوظيفة العمومية تبقى اتفاقية 16 فيفري 2021 والتي تتعلق بتحسين الوضعية المهنية والمادية للمهندسين العاملين بالمؤسسات والمنشآت العمومية تمثل أحد أكثر الملفات حضورا في الذاكرة المهنية للمهندسين. فبعد أكثر من أربع سنوات من الاضراب الذي لم يسبق للمهندسين التونسيين أن قاموا بمثله في تاريخ البلاد، من أجل تفعيل هذه الاتفاقية دون نتائج تمس كافة المؤسسات، يمكن الجزم أن تفعيل هذا الملف كفيل لاستعادة المهندس ثقته في العمادة.
وفي إطار التحديات التي تواجه قطاع الهندسة في تونس، يبرز ملف التكوين بالمدارس الهندسية الخاصة كأحد الملفات الاستراتيجية التي تستوجبت متابعة دقيقة من عمادة المهندسين التونسيين. فقد فرض التنامي المتواصل لعدد مؤسسات التكوين الخاصة ضرورة تعزيز آليات التقييم والرقابة بما يضمن المحافظة على جودة التكوين الهندسي وعلى قيمة الشهادة الهندسية التونسية في كنف تكافئ الفرص والمساواة. وفي هذا السياق، يعتبر دور العمادة حساسا اذ عليها العمل على ضمان تكافؤ الفرص للحصول على شهادة مهندس من خلال توحيد مسالك الدخول إلى مدارس الهندسة بما يضمن قيمة الشهادة الهندسية التونسية.
كما ان إصلاح المهنة عند عدد كبير من المهندسين لا يمكن ان يكون ذا معنى دون معالجة مسألة التثمين المادي. فالمهندس الذي يتحمل مسؤوليات تقنية وقانونية كبيرة لا يزال يشعر بأن مكانته المادية لا تعكس حجم دوره أو مستوى تكوينه.
ومن بين التساؤلات التي بدأت تطرح داخل بعض الأوساط الهندسية، طبيعة الأولويات التي تحكم العمل العمادة ومدى توازنها بين الاستثمار في المستقبل والاستجابة إلى انتظارات المهندسين الممارسين. فبينما لا يختلف أحد حول أهمية الانفتاح على الطلبة وتشجيعهم على الانخراط المبكر في الحياة المهنية، يرى بعض المهندسين أن الحضور المتزايد للأنشطة الموجهة إلى هذه الفئة يثير نقاشا مشروعا حول مدى مواكبته للجهد المبذول لمعالجة الإشكاليات اليومية التي تواجه المهندسين في مجالات التشغيل والتأجير والتكوين المستمر والدفاع عن المصالح المهنية. ويتقاطع هذا النقاش مع مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في طبيعة العلاقة بين العمادة والنسيج الجمعياتي الهندسي المتخصص، حيث ان البلاد تزخر بجمعيات مهنية وعلمية هندسية تضم كفاءات وخبرات رفيعة المستوى يمكن لها المساهمة في بلورة التصورات الاستراتيجية وصياغة البرامج الكبرى في تفاعل مع العمادة وبتأطير منها. وفي هذا السياق، تبرز فرصة حقيقية أمام العمادة لتعزيز دورها الجامع من خلال تحويل الجمعيات الهندسية إلى شريك استراتيجي فعلي في التفكير والاقتراح وصناعة القرار المهني. فالرصيد العلمي والمهني الذي تختزنه هذه الجمعيات لا يمثل فقط قيمة مضافة للعمل القطاعي، بل يشكل أحد أهم الموارد القادرة على دعم مكانة المهندس التونسي وتعزيز قدرة العمادة على التأثير في السياسات العمومية والمساهمة في رسم مستقبل المهنة.
أما من الناحية الاتصالية، فقد كثفت عمادة المهندسين التونسيين نشاطها الاتصالي عبر البلاغات والبيانات والتقارير المتعلقة بالمجالس الوطنية والتكوين والتشغيل والرقمنة والندوات واللقاءات القطاعية وعززت حضورها على موقعها الرسمي ومنصات التواصل الاجتماعي ومن خلال حضور عميد المهندسين في أغلب الوسائل الاعلامية بشكل ناجح. غير أن الإشكال لا يكمن في توفر المعلومة، بل في طريقة تقديمها. فالاتصال الحالي يركز أساسا على الإعلان عن الأنشطة ونشر البلاغات وعرض القرارات، في حين ينتظر المهندسون فهما أوضح لخلفيات الملفات، وتفسيرا للرهانات، ومؤشرات دورية لقياس التقدم، وأهدافا محددة مدعومة بخارطة طريق واضحة. كما ان المشهد الاتصالي يستوجب حضورا أكبر للفروع الجهوية والقطاعات الاختصاصية، بما يجعل الخطاب أكثر قربا من الواقع المهني اليومي لمختلف الفئات الهندسية. كما ان الاتصال يسير أساسا من المؤسسة نحو القاعدة، بينما يبقى نقل مقترحات المهندسين وانتقاداتهم وتصوراتهم إلى دوائر القرار محدودا. لذلك يبرز اليوم تحد أساسي يتمثل في بناء فضاءات حوار مستدامة تجعل المهندس شريكا في صياغة الرسالة المهنية لا مجرد متلق لها. فنجاح الاتصال لا يقاس بعدد المنشورات والبيانات، بل بمدى قدرة المؤسسة على إشراك المهندسين في النقاش المهني الوطني وتعزيز شعورهم بالمشاركة والتأثير، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أهم اختبارات المرحلة القادمة.
ويظل الحد من هجرة المهندسين التي بلغت ارقاما مفزغة تتجاوز 40 الف مهندس خلال السنوات الاخيرة والمحافظة على الكفاءات الوطنية مؤشرا حقيقيا على نجاح سياسات الدولة ونجاعة الجهود التي تبذلها عمادة المهندسين التونسيين للدفاع عن المهنة والارتقاء بمكانة المهندس. فاستقرار الكفاءات الهندسية داخل البلاد لا يعبر فقط عن تحسن ظروف العمل وآفاق التطور المهني، بل يعكس أيضا قدرة تونس على الحفاظ على ثروتها البشرية وتوظيفها في خدمة التنمية الوطنية. وتزداد أهمية هذا الرهان بالنظر إلى الحاجة الملحة التي تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية والبنية التحتية والانتقال الطاقي والتحول الرقمي إلى خبرات هندسية عالية المستوى، بما يجعل من المحافظة على المهندس التونسي واستقطاب الكفاءات المهاجرة خيارا استراتيجيا للنهوض بالبلاد وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
بعد أكثر من سنة على توليها المسؤولية، تبدو الهيئة الجديدة لعمادة المهندسين التونسيين قد نجحت في بعث نفس جديد داخل المؤسسة وإعادة تموقعها في النقاش الوطني، كما أطلقت عدداً من المشاريع التنظيمية والاستراتيجية التي تعكس طموحاً واضحاً لتوسيع دور العمادة وتعزيز حضورها في القضايا الوطنية الكبرى.
غير أن المرحلة الحالية ما تزال في جوهرها مرحلة تأسيس وبناء للرؤى والتوجهات أكثر منها مرحلة حصاد للنتائج. فالحكم النهائي على هذه التجربة سيظل مرتبطاً بقدرة العمادة على تحقيق تقدم ملموس في الملفات التي تشكل أولوية بالنسبة للمهندسين، وفي مقدمتها استكمال إصلاح الإطار القانوني المنظم للمهنة، وتحسين وضعية المهندس في القطاع العمومي، وتفعيل الالتزامات المهنية العالقة، ومعالجة إشكاليات التشغيل والتثمين المادي، إضافة إلى المحافظة على الكفاءات الوطنية والحد من نزيف الهجرة.
كما سيكون نجاح هذه العهدة مرتبطا بقدرة العمادة على تحويل التصورات الاستراتيجية ومشاريع الإصلاح والحوكمة والرقمنة إلى مكاسب مهنية محسوسة يشعر بها المهندس في حياته المهنية اليومية. فبين الرؤية والتنفيذ، وبين الطموح والنتائج، ستتحدد في النهاية ملامح هذه التجربة وموقعها في تاريخ عمادة المهندسين التونسيين.
*مهندسة. رئيسة جمعية المهندسين المدنيين. كاتبة. روائية.