بقلم رانيا الحمامي*
تعود فنزويلا من جديد إلى واجهة الأحداث، لأنها واحدة من تلك الرقع الجغرافية التي شاء لها القدر أن تجلس فوق بحر من النفط، وحولها تتحرك قوى كبرى لا ترى في الشعوب إلا مواردها، ولا في السيادة إلا عائقا أمام مشاريعها الإمبريالية. يبدو أن فنزويلا التي بني اقتصادها على النفط منذ بدايات القرن العشرين لا تقرر مصيرها داخل حدودها، وهو ما يظهر انها حلقة اساسية ضمن شبكة عالمية معقدة يتداخل فيها الاقتصاد والسياسة والطاقة والتحالفات، والداخل الوطني بتوازنات القوة العابرة للقارات.
ما حدث يوم 03 جانفي 2026 وما أطلق عليه “اختطاف” رئيس دولة منتخب دون ادنى مقاومة وطنية احتل كل المواقع والقنوات في العالم، حيث يعدّ سابقة، وهو في الحقيقة مشهد لا يختلف كثيرا عما عرفته دول عربية مثل العراق وليبيا وسوريا، حيث تكشف التجارب أن هشاشة البنية الداخلية — سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسساتية — تجعل هذه الدول أكثر عرضة لان تدار فيها القرارات من الخارج بقدر ما تدار من الداخل. وتنفيذ تلك القرارات الخارجية لا يزيد الأوضاع الداخلية لتلك الدول الا سوءا وتخبطا فيسهل استغلال مواردها.
ففي العراق عام 2003، ادى التدخل العسكري الاجنبي إلى إسقاط النظام والى زعزة استقرار يتواصل الى اليوم، حيث ان إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والسلطة كانت كلفته الإنسانية والسياسية والحضارية كبيرة جدا. وفي ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة بعد 2011 إلى فراغ أمني سمح بتعدد القوى، وتحول البلاد إلى ساحة تنافس على بوابة المتوسط وإفريقيا وملفات الطاقة. أما سوريا، فقد تحولت بدورها الى مساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متداخلة، وتراجع القرار الوطني السيادي الشعبي لحساب توازنات السلاح والتحالفات والتموضع الجيوسياسي.
في نفس هذا السياق، تواجدت فنزويلا كقطعة اضافية من “بوزل ” ضمن مشهد عالمي متحرك تتقاطع فيه أدوات النفوذ. فروسيا، التي رسخت حضورها الاستراتيجي في سوريا، ترى في فنزويلا امتدادا لنفوذها خارج المجال الأوروبي، اذ تعتبر روسيا الحليف الجيوسياسي الرئيسي لفنزويلا، بينما تعتمد الصين نموذجا مختلفا يقوم على التمويل والشراكات الاقتصادية طويلة الأمد ضمن منطق “القوة عبر التنمية”. أما الولايات المتحدة، وان اختلفت الوجوه السياسية، لكن جوهر السياسة يبقى كما هو: من يملك النفط يملك الاهتمام الأميركي. وهو اهتمام تصاحبه دائما رسالة حضارية وديمقراطية وانقاذ كغطاء يشرعن كل تدخل.
فنزويلا هي جزء من سيناريوات عالمية واسعة تتغير فيها التحالفات، وتتمدد فيها أدوار روسيا والصين ، في حين تعيد الولايات المتحدة بدورها تعريف أدواتها و نفوذها. وفي قلب هذه المتغيرات والتشكيلات ، تبقى السيادة الوطنية — في فنزويلا كما في عدد من الدول العربية — محور اختبار دائم، ويطرح السؤال: هل تستطيع الدول أن تخطئ وتتعلم داخل حدود تجربتها الوطنية؟ أم أنها ستبقى جزءا من معادلة تدار من خارجها خاصة اذا التقت الطاقة ( النفط خاصة) بجغرافيتها ؟
إن قراءة احداث 03 جانفي 2026 في فنزويلا، تفوت الأحكام الأخلاقية على الأسلوب الصادم ليدفعنا الى السؤال على مدى قيمة التشريعات والقوانين الدولية امام مصالح الدول الأقوى. وهو ما يدفعنا أيضا الى استحضار التجارب العربية والسورية والإيرانية — ومعها ما يجري اليوم في الشرق الأوسط من تحولات اقتصادية وأمنية — والتي تعكس السؤال نفسه: كيف يمكن للدول أن تحمي سيادتها وتعيد بناء مؤسساتها، بينما تتحرك في نظام دولي لا يزال — رغم خطابه القيمي — محكوما بمنطق القوة وتوازن المصالح لا غير؟
* كاتبة وروائية www.raniahammami.tn