6 فيفري، تاريخ يتجاوز الروزنامة، ليترسّخ كجرح يرفض أن يندمل، فذكرى اغتيال شكري ليست طقس حزن أو رثاء، إنما امتحان سنوي للذاكرة الوطنية.
أين وارينا الحقيقة منذ سقط الجسد؟ وماذا بقي من السياسة بعد أن تكلّم الرصاص؟ أسئلة تقفز من بين تجاويف الذكرى المخضبة بالدم.
أكثر من عقد مرّ على الفاجعة، وعادت الذكرى محمّلة بنفس الأسئلة، وبنفس الصمت الثقيل كأن الزمن يدور في حلقة مفرغة، وكأن الاغتيال لم يكن لحظة قطيعة بل بداية اعتياد.
وأخطر ما في الأمر أن يتحوّل الدم إلى خلفية، وأن تصبح الجريمة حدثا “مؤسسا” للتعايش مع الإفلات من العقاب والتطبيع مع مواراة الحقيقة.
وفي ذكرى اغتياله، يطل الشهيد شكري بلعيد كضمير حي يحاول أن ينتشل الحقيقة من غياهب النكران، ويذكّر بأنه المعارض الباقي أبدأ في نهجه وكلماته، والمشاكس المتورط في أسئلة الواقع.
اغتياله يتخطى تلافي خطر انتخابي أو وزن في معادلة سياسية، إلى خطر رمزي يتمثل في الكلمة التي تفضح، والموقف الذي لا يساوم، والنقد الذي لا يعرف طريقا إلى السكون.
في ذلك الصباح من 2013 لم يغتل الرصاص الغادر شكري بلعيد فقط بل قتل معه الانتقال الآمن، ومنذ ذلك اليوم، توشحت السياسة في تونس بالدم وسارت فوق حقل ألغام.
واليوم ونحن نستعيد الذكرى الأليمة، نيقن أكثر أن الاختلاف حينئذ صار محسوبا، وأن النقد والجرأة تحولا إلى تهمة حتى أجل غير معلوم
ومع كل 6 فيفري يتعرى ما حاولنا نسيانه : أن الاغتيال لم يكن حدثا خارج السياق، بل ذروة خطاب تحريضي طويل، وتطبيع مع العنف الرمزي، وتسامح مريب مع منطق التخوين.
فحين يصبح الخصم “عدوًا”، يصبح قتله احتمالا وحين يُصوَّر المختلف كخطر، يصبح استبعاده واجبا أخلاقيا عند البعض.
وعلى أعتاب دم الشهيد، تبدو الدولة في مرآة الحقيقة، دولة لم تحسم بعد خيارها مع العنف ومازالت العدالة تهتز على أجوبة الحسابات والموازنات.
وكل ذكرى تمرّ دون حقيقة، هي هزيمة جديدة لفكرة الدولة نفسها، فالدولة التي لا تحمي حياة معارضيها، ولا تُنصف دمهم، تفرّط في جوهر شرعيتها.
لكن الذكرى لا تُدين الدولة وحدها، إنها تُحمّل النخب مسؤولية مضاعفة، فكثيرون بكوا شكري بلعيد، وقليلون دافعوا عن شروط عدم تكرار سياقات اغتياله.
الإدانة كانت أسهل من المواجهة، والحياد كان أكثر راحة من تسمية الأشياء بأسمائها لتتحول الذكرى عند البعض إلى واجب شكلي، لا إلى لحظة مراجعة.
في كل 6 فيفري، نطرح الأسئلة ذاتها بصيغة أكثر قسوة : ماذا لو انفضح مخطط الاغتيال باكرا؟ ماذا لو كانت العدالة حاسمة؟ هل كان العنف سيجد طريقه بهذه السهولة؟
في نفس التاريخ، نستمر في مساءلة الحاضر، وحدود ديمقراطيتنا، وهشاشة ثقافتنا السياسية، وخوفنا من الحقيقة، ومعنى أن تكون واضحا زمن الالتباس.