في ذلك المساء، عاد الطفل من الروضة في صامتا على غير عادته. لم يكن صمتُه امتدادا لتعب عابر، ولا نوبة عناد طفولي سرعان ما تنفرج. كان سكونا كثيفا يتجاوز عمره بسنوات.
حاولت أمّه أن تنتشله من عزلته الصغيرة، أن تلاعبه بالكلمات كما تفعل كل يوم، أن تفتح في وجهه نافذة ضحك، لكنّه اكتفى بنظرة قصيرة وجملة مباغتة: “إنت ما تحبّنيش”.
ظنّت أنّه عتبٌ انفعالي، وأنّ أسبوعا كاملا قضاه في البيت جعله يرفض العودة إلى الروضة ولم يخطر ببالها أنّ الجملة كانت، في حقيقتها، استغاثة متأخرة.
مع تدفق الثواني، بدأت التفاصيل تتكشّف ببطء موجع، مشية الطفل ذو السنوات الثلاثة متغيرة. جسده الصغير صار يمشي مثقلا، متباعد الخطى، كأنّه يحاول أن يتفادى ألما لا يعرف كيف يسمّيه.
في زخم الحيرة والخوف سألته أمه، تردّد، ثم قال: “راهو جاني وحدو… جاني وحدو.” كرّرها مرّات، كأنّ التكرار محاولة لترتيب الفوضى في رأسه. ثم انفجر في بكاء هستيريا.
تبول الطفة من فرط الهلع كأن جسده اختار أن يصرخ حينما عجز اللسان عن الكلام ووقفت الأم مشدوهة بين الذهول والرعب وهي ترى أثر الاعتداء على ابنها.
حملته إلى الجهات الأمنية وفُتح محضر ليس الأول وليس الأخير وأُنجز تسخير طبّ شرعي أقر بأن الإيلاج لم يحصل، لكن ذلك لن يمحي الندبة التي استقرت في وجدان طفل مازال يتحسس طريقه في الحياة.
فالاعتداء على طفل لا يُقاس فقط بدرجة اكتمال الفعل، بل بدرجة اقتحامه لبراءة لا تعرف معنى الوحشية.
وفي جلسة مع أخصائية نفسية، رسم الطفل، رسم نفسه، رسم الشخص الذي قال إنّه “جاني وحدو”، ورسم غطاء (بطانية) وحين سُئل عنها، قال: “هاذيكا يسكرلي بيها فمّي.”
ثم أضاف، بعفوية لا تحتمل التأويل: “فمّا ثلاثة صغار آخرين.”
هنا يتجاوز الأمر حدود واقعة فردية ليصبح سؤالا جماعيا كم طفلا يحتاج الأمر قبل أن تتحرّك الآلة الإدارية بسرعة تليق بخطورة الشبهة؟
الملفّ، وفق المعطيات الأولية المتوفرة ما يزال معطّلا. والشكاية مودعة تحت عدد 195.
في قضايا الطفولة، يتجاوز التعطيل والتأخير البطء البيروقراطي ليتحوّل إلى منطقة رمادية قد تُنتج أذى جديدا لأنّ كلّ يوم يمرّ دون حسم، هو يوم إضافيّ يبقى فيه الشكّ معلّقًا فوق رؤوس أطفال لا يعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشهير ولا المحاكمة الشعبية، بل بالحقّ في الحماية فالروضة ليست مجرّد مجرد فضاء بل هي اختزال لوعدٌ ضمنيّ بين العائلة والمؤسسة فحواه “نأتمنكم على فلذات أكبادنا ساعات في اليوم، فكونوا امتدادا لأمان البيت لا نقيضه.”
حين يهتزّ هذا الوعد، لا يكفي أن نقول إنّ التحقيق جارٍ، فالمطلوب شفافية، وإجراءات احترازية واضحة، وتواصل مسؤول مع الأولياء، وإحاطة نفسية مستمرة بالطفل الذي تكلّم وبمن لم يتكلم بعد.
الطفل في الثالثة لا يختلق سردية معقّدة عن بطّانية تُسكت فمه، ولا يبني روايةً متماسكة عن “واحد جا وحدو” دون أن يكون قد عاش تجربة أربكته.
قد تخطئ الذاكرة في التفاصيل، قد تتداخل الأزمنة في ذهن صغير، لكنّ الإشارة إلى الخطر في هذا العمر نادرا ما تكون بلا سبب.
لذلك، فإنّ الشكّ الواجب هنا ليس في الطفل، بل في منظومة الرقابة، وفي شروط الإشراف، في من يدخل الفضاء ومن يخرج، في الكاميرات إن وُجدت، وفي ثقافة الوقاية داخل مؤسسات تحتضن أطفالًا لا يملكون لغة القانون.
ثمّة بُعد آخر لا يقلّ خطورة وهو الأثر النفسي البعيد فالأطفال الذين يتعرّضون لتجارب مربِكة في هذا العمر قد يحملون آثارها سنوات، إن لم يجدوا إحاطة حقيقية.
والطمأنة، في مثل هذه الحالات، مسار علاج والإصغاء ضرورة قُصوى فعلى الأسرة أن تحيط طفلها دون أن تُثقله بالاستنطاق المتكرّر، وعلى المختصّين أن يواصلوا المتابعة بعيدًا عن الضجيج، وعلى الدولة أن تُظهر أنّ حماية الطفولة ليست شعارًا بل ممارسة.
القضية اليوم ليست فقط ما حدث في فضاء بعينه بل ما يكشفه من هشاشة محتملة في منظومة أوسع.
حماية الأطفال لا تبدأ بعد وقوع الفعل، بل قبله وذلك بانتقاء دقيق للإطار البشري، وبتكوين مستمر، وبآليات تبليغ آمنة، وبثقافة صفر تسامح مع أيّ شبهة.
وحين تقع الشبهة، يكون الردّ بسرعة الضوء، لا بخطوات متثاقلة.
وفي الأخير، ، يبقى المشهد الأشدّ وقعًا هو ذاك الطفل الذي قال لأمّه: “إنت ما تحبّنيش” جملة تختصر انكسار الثقة في مكانٍ كان يفترض أن يكون ملاذا.
مسؤولية الكبار اليوم أن يعيدوا تعريف هذا المكان، وأن يثبتوا أنّ الدولة والمجتمع قادران على الإصغاء حين يتكلّم أضعفنا.
هناك طفلٌ في الثالثة من عمره ينتظر، دون أن يفهم، ماذا سيفعل الكبار بعد ما رواه.
فليكن جواب الكبار في مستوى الألم !