في المرة الأولى التي وصلت فيها إلى مهرجان “كان”، كنت أحمل في ذاكرتي صورا تراكمت عبر سنوات طويلة من المتابعة.
صور السجادة الحمراء، ونجوم السينما وهم يصعدون درجات القصر وسط وابل من الأضواء، وفساتين تتحول في اليوم التالي إلى عناوين للصحف والمواقع، وعناوين الأفلام وأسماء المخرجين والجدل الذي يطل برأسه دون سابق إنذار.
هذه المشهدية التي ارتسمت في ذهني تبددت وتشكلت صورة أخرى منذ اللحظات الأولى التي عانقت فيها عيناي قصر المهرجانات والبحر.
على امتداد الواجهة البحرية، كان المتوسط ممددا في هدوء مهيب، بحر أزرق لا يكترث كثيرًا لكل هذا الصخب المحيط به، كأنه يراقب المدينة من بعيد ويعرف أن الأضواء التي تشتعل كل مساء ستنطفئ، وأن الضجيج الذي يملأ المكان سيغادر مع نهاية الدورة، بينما سيبقى هو شاهدًا على كل شيء. بين البحر وقصر المهرجان تمتد مسافة قصيرة جدا، خطوات معدودة فقط تفصل بينهما، لكن تلك المسافة تختزل مفارقة كاملة، بل ربما تختزل فكرة “كان” نفسها.
من جهة أولى، هناك عالم الصورة، عالم السجادة الحمراء بما تحمله من فتنة بصرية، وفساتين متوهجة تنساب تحت الأضواء، ومجوهرات تلتقط أشعة الشمس نهارًا وتضاعف وهجها ليلا، وعدسات لا تتوقف عن المطاردة، ووجوه تعرف جيدًا كيف تتحول إلى حدث بمجرد ظهورها.
ومن جهة ثانية، هناك عالم آخر أقل ضجيجا بكثير، لكنه أكثر رسوخا، هو عالم القاعات المظلمة.
هناك، بعيدا عن الأضواء، تجلس مئات الوجوه في صمت كامل أمام شاشة كبيرة، لا أحد يلتقط الصور، ولا أحد يهتم بما يرتديه الجالس إلى جواره.
كل الأنظار تتجه نحو الحكاية، نحو ذلك الضوء الآخر الذي لا يأتي من المجوهرات ولا من الكاميرات، بل من السينما نفسها.
في البداية بدت المفارقة مذهلة، كيف يمكن أن يجتمع كل هذا البريق مع كل هذه الحيرة؟كيف يمكن أن تخرج من فيلم يروي تمظهرات القلق الراهن من الحرب أو اللجوء أو الفقد أو العنف، لتجد نفسك بعد دقائق في قلب أضواء لا تبالي بكل ما سبق؟
كان السؤال يرافقني كل يوم تقريبًا، لكن مع توالي العروض تلاشى هذا التناقض، فالسجادة الحمراء ليست قلب المهرجان، بل واجهته أما القلب الحقيقي فينبض داخل القاعات حيث تتكلم الشعوب لغتها المشتركة.
هناك شاهدت عالما كاملا يعبر أمامي، أمهات يبحثن عن أبنائهن وسط الحروب، ورجال يواجهون هشاشتهم للمرة الأولى، ونساء يحاولن انتزاع حقهن في الحياة والاختيار، ومهاجرون يعبرون الحدود حاملين خوفهم وأملهم معا، وشباب تائهين في عالم لم يعد يشبه الوعود التي تربوا عليها. كانت الأفلام، على اختلاف لغاتها وجغرافيات إنتاجها، تطرح السؤال ذاته تقريبًا : ماذا يحدث للإنسان اليوم؟
في “كان” تجمع السينما العالم داخل قاعة واحدة، تجعلنا نكتشف أن ما يفصل بين الشعوب أقل بكثير مما نتصور، وأن الألم الإنساني يتشابه أكثر مما تختلف أشكاله.
كنت أخرج أحيانا من بعض العروض وأنا أحمل ثقلا حقيقيا في صدري، ليس مأتاه أحداث الفيلم فقط، بل لأن الشاشة كانت تعيد ترتيب علاقتنا بالعالم. كانت تذكرنا بما نحاول تجاهله في زحام الأخبار والصور السريعة، وتضعنا وجهًا لوجه أمام هشاشتنا وأسئلتنا ومخاوفنا الكبرى.
وفي تلك اللحظات تحديدا، كانت السجادة الحمراء تبدو بعيدة جدا رغم أنها لا تبعد سوى أمتار قليلة، بعيدة لأنها تنتمي إلى زمن مختلف هو زمن اللحظة الخاطفة.
أما الأفلام فتنتمي إلى زمن آخر، زمن الأثر الطويل، ذلك الأثر الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد أيام وأسابيع وربما سنوات.
كم من فستان خطف الأنظار هذا العام وسينساه الجميع بعد أشهر؟ وكم من فيلم سيظل حاضرا لأنه لمس سؤالا إنسانيا عميقا أو كشف جرحا لم نكن نراه؟
هنا تحديدًا تتضح قيمة المهرجان الحقيقية، ليس باعتباره معرضا للنجومية، بل باعتباره مساحة يلتقي فيها العالم ليحكي قصصه.
ولهذا كنت، كلما انتهى عرض، أتجه نحو البحر، لأنه يمنحني مساحة للتأمل في كل تلك الحكايات.
كنت أراقب الأفق وأفكر في الأفلام التي شاهدتها، في الوجوه التي عبرت الشاشة، وفي قدرة السينما العجيبة على أن تجعلنا نشعر بقرب أشخاص لم نلتقهم يوما. هناك، بين زرقة المتوسط وظلمة القاعات، فهمت شيئًا من سر “كان”.
فالمهرجان لا يعيش بسبب السجادة الحمراء مهما كانت فاتنة، ولا بسبب أسماء النجوم مهما كانت كبيرة، هذه عناصر تمنحه بريقه العالمي، لكنها ليست روحه.
الروح الحقيقية تسكن في تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الأنوار داخل القاعة ويبدأ الفيلم، حينها تحديدا تختفي الفوارق كلها ويغدو الإنسان هو القضية الوحيدة، الإنسان بأحلامه وخيباته، وبمخاوفه ورغباته، وبحروبه الصغيرة والكبيرة، وببحثه الدائم عن معنى لوجوده في هذا العالم المضطرب.
لهذا، عندما أفكر اليوم في تجربتي الأولى في “كان”، لا أتذكر أولًا السجادة الحمراء ولا بريق المجوهرات، رغم جمال المشهد وسحره.
ما يعود إليّ قبل كل شيء هو ظلمة القاعات، ذلك الصمت الجماعي الذي يسبق بداية العرض، ثم الحكايات التي كانت تتدفق من الشاشة لتذكرنا بأن السينما، في جوهرها، ليست احتفاء بالصورة فقط، بل احتفاء بالإنسان نفسه. أما كل ما عدا ذلك، مهما كان لامعا، فيظل عابرا مثل ومضة كاميرا، بينما تبقى الأفلام وحدها قادرة على مقاومة النسيان.