ثمة لحظات لا تصنعها الكاميرات ولا تُرتّب لها الأضواء، تنبثق فجأة من شقوق الواقع المؤلم لتقول ما عجزت عنه خطب السياسيين وبيانات المنظمات الدولية.
لحظة كهذه تجسّدت على هامش مهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين، ورصدتها عدسة الصحفية المصرية رغدة صفوت، حين اقتربت ممثلة من قلب الكونغو الديمقراطية النازفة من نجمة مصرية تحمل في سيرتها وجدان امرأة تؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
لم يكن اللقاء مجدولاً في أي برنامج رسمي، ولا سقطت عليه الأضواء على السجادة الحمراء المبهرةر غير أنه كان عميقا وكثيف المشاعر.
في كان تتلألأ المجوهرات وتتسابق الإطلالات، وتُعرض، أيضا، أفلام تصرخ باسم المهمّشين وتوثّق جروح الإنسانية، في توليفة تشكل روح مهرجان كان.
ومن قلب هذه التوليفة بزغ موقف عقب ندوة نظمتها السفارة المصرية بالتعاون مع مؤسسة خيرية فرنسية تطرقت إلى صورة المرأة في سينما يوسف شاهين.
يوسف شاهين الذي أمضى عمره يُنصف الهامشيين ويجعل من الشاشة مرآة للمجتمع، كان حاضرا، حينما فاضت عينا امرأة تحمل ألم بلد بأسره، دموعا أمام الممثلة المصرية ليلى علوي.
المرأة التي أثقلتها جراح وطنها ممثلة كونغولية تعيش في فرنسا، بكت كمدا في حضور ليلى علوي، ربما لأنها استشعرت صدقها في الدفاع عن النساء.
والكونغو تتصدر اليوم قوائم أكثر بقاع الأرض انتهاكا للأطفال والنساء، أرقام تتجاوز عقل يستوعبها بسهولة، وجرائم منهجية.
وحين تحمل ممثلة هذا كله في دموعها وتسكبه أمام ليلى علوي، فهي لا تخاطب نجوميتها ليلى وإنما إنسانيتها.
وبعيدا عن الصور والحضور والمنافسة، نجحت ليلى علوي في رسم نهج خاص بها سواء من خلال انتقاءاتها الفنية أو مواقفها الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، كان التعاطف الذي أبدته علوي مع الممثلة الكونغولية صادقا منسجما مع شخصية يعنيها ألم الآخرين.