كيف تتحوّل مشاعر فردية، ولدت في لحظة خاصة أو ارتبطت بتجربة شخصية، إلى كلمات يجد فيها آخرون شيئا من حكاياتهم؟
يشكّل هذا السؤال مدخلا لفهم الكتابة الغنائية في تجربة محمود ردايدة، مؤسس الفرقة الأردنية “جدل”، الذي ينطلق في التأليف من ذاته، دون أن يحصر الأغنية في حدود سيرته الخاصة.
في مسيرته، لا تبدأ الأغنية بالضرورة من رغبة في الوصول إلى الجمهور، فقد تولد من إحساس شخصي أو سؤال يرافقه ثم تشقّ طريقها إلى الآخرين حين يجدون فيها شيئا من حكاياتهم.
بين هذه المسافة، من الذات إلى الوجدان المشترك، تتشكّل تجربة موسيقية تراهن على الصدق في الكتابة، وعلى هوية موسيقية تتّسع للتجريب من دون أن تتخلّى عن جذورها.
في تصوّر ردايدة، تنبع الكلمات من حاجة إلى التعبير عن أفكار ومشاعر تفرض نفسها على الفنان.
وقد تكون مادتها تفاصيل الحياة اليومية، أو العلاقات الإنسانية، أو الصراعات الداخلية التي يعيشها الفرد وهو يحاول فهم نفسه والعالم المحيط به.
غير أنّ التجربة، مهما بدت ذاتية، لا تظلّ حبيسة صاحبها متى وجدت طريقها إلى صياغة قادرة على ملامسة الآخرين.
فالكتابة الغنائية، وفق هذا المنظور، ليست نقلا مباشرا لما يعيشه المؤلف، بقدر ما هي محاولة لاستخلاص ما في تجربته من معانٍ تتجاوز حدودها الفردية.
وحين يجد المستمع في الكلمات صدى لمشاعره أو أسئلته، تتحوّل الأغنية إلى مساحة مشتركة، يلتقي فيها أشخاص مختلفون من خلال إحساس قد لا يعرفون كيف يعبّرون عنه بأنفسهم.
ويمنح ردايدة النص مكانة محورية في بناء الأغنية، باعتباره نقطة الانطلاق التي تتحدّد من خلالها ملامح العمل الموسيقي. فالكلمات الصادقة لا تكتفي بحمل المعنى، إذ تسهم في توجيه اللحن وتشكيل صورته النهائية.
ويرتبط نجاح التعبير بقدرة الفنان على تحويل إحساسه إلى لغة واضحة دون أن يفقدها عمقها، وعلى تقديم تجربة شخصية لا تنغلق على ذاتها، وتترك للمستمع مجالا كي يجد فيها شيئا منه.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن الهوية الموسيقية التي تعمل “جدل” على تطويرها. فالفرقة، التي تجمع بين الروك والموسيقى العربية، لا تتعامل مع المزج بين الأنماط باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما تسعى إلى بناء صوت خاص يتجاوز القوالب المألوفة في الألحان والإيقاعات.
وفي هذا المسار، تحتفظ اللهجة الأردنية بموقع أساسي، باعتبارها امتدادا للبيئة الثقافية التي ينطلق منها المشروع، وعنصرا من عناصر تميّزه.
ويؤكد ردايدة أن التوجّه نحو جمهور عالمي لا يستوجب التخلي عن الخصوصية المحلية. فالموسيقى، في تقديره، تستطيع أن تعبر الحدود انطلاقا من ملامحها الأصلية، لا عبر محوها أو تكييفها مع تصوّرات مسبقة عمّا ينتظره المستمع خارج البيئة التي نشأ فيها الفنان.
وتبدو هذه المعادلة من أبرز رهانات “جدل” التي ترتكز على الانفتاح على تجارب موسيقية مختلفة، مع الحفاظ على لهجة وهوية تمنحان أعمالها مرجعيتها الخاصة.
وفي مسيرة الفرقة، لا ينفصل هذا الاختيار الفني عن علاقتها بالجمهور، وهو ما تكشفه تجربتها في تونس. فقد تركت مشاركتها في أيام قرطاج الموسيقية سنة 2023 أثرا تجاوز زمن الحفل، إذ جرى تسجيل العرض وإصدار ألبوم حيّ منه سنة 2024.
ويستعيد ردايدة تلك التجربة من خلال أجواء العرض وحماس الحاضرين، معتبرا أنّ التفاعل الذي رافق أداء الفرقة جعل من الحفل مناسبة تستحق التوثيق.
ولم يتوقف التواصل عند تلك المشاركة، إذ جاءت الموافقة على تقديم عرض إضافي إثر مشاركته في أيام قرطاج الموسيقية سنة 2026 استجابة للإقبال، وإتاحة الفرصة أمام من لم يتمكنوا من حضور الحفل الأول.
ويعبّر ردايدة عن تقديره لمحبة الجمهور التونسي، وعن تطلّعه إلى العودة إلى تونس والمشاركة في تظاهرات موسيقية عريقة، من بينها مهرجاني قرطاج والحمامات الدوليين.
وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من العلاقة بين الفنان ومستمعيه، فالأغنية التي تبدأ من قناعة شخصية يمكن أن تكتسب حياة جديدة على الخشبة، حيث تتفاعل مع الجمهور وتتحوّل إلى تجربة لا يملك الفنان وحده تحديد ملامحها.
وقد يكون الألبوم الحيّ، في هذه الحالة، أكثر من توثيق للأداء، إذ يحتفظ بشيء من العلاقة التي نشأت خلال اللقاء، وبالأثر الذي تركه الجمهور في الموسيقى نفسها.
لكنّ اتساع دائرة المستمعين يطرح، في المقابل، سؤالا حول العلاقة بين النجاح والحرية الفنية. ويقرّ ردايدة بأن “جدل” تعيش مرحلة مهمة من الانتشار، غير أنه لا يجعل الشهرة غاية نهائية للمشروع، بل يتحفّظ على بلوغ مستوى قد يؤثر، وفق تعبيره، في رؤيته الفنية وفلسفته الموسيقية.
فحين يصبح الحفاظ على الحضور هدفا قائما بذاته، قد يجد الفنان نفسه أمام ضغوط تدفعه إلى تكرار ما نجح سابقا، بدلا من مواصلة البحث والتجريب.
ولهذا، يربط مؤسس الفرقة استمرارها بالإيمان بالتجربة الموسيقية والاستمتاع بالكتابة والتأليف والعزف، أكثر من ارتباطه بالعائد المادي.
ولا يعني ذلك تجاهل أهمية الانتشار أو التقليل من قيمة الجمهور، بل الحفاظ على التوازن بين الوصول إلى المستمعين والاحتفاظ بحرية تطوير المشروع وفق قناعات أصحابه.
في تجربة محمود ردايدة، تتقاطع الكتابة الصادقة مع الهوية الموسيقية والاستقلال الفني لتشكّل رؤية لا تفصل بين ما يقوله الفنان والطريقة التي يختار بها قوله.
فمن الكلمات التي تستمد مادتها من التجربة الإنسانية، إلى موسيقى تجمع بين تأثيرات مختلفة وتحتفظ بلهجتها المحلية، تراهن “جدل” على أن الخصوصية ليست عائقا أمام التواصل، وأن الأغنية لا تحتاج إلى التخلي عن ملامحها كي تجد طريقها إلى الآخرين.
ولعلّ التحدي الأهم هو أن تواصل هذه الرحلة من دون أن تفقد السبب الذي دفعها إلى الانطلاق، وهو الحاجة إلى التعبير بحرية، والإيمان بأن ما يخرج من تجربة فردية صادقة قادر على أن يجد مكانه في تجارب الآخرين.