في الدورة الرابعة والأربعين من مهرجان بوقرنين الدولي، مثلت مشاركة مكادي النحاس ضمن عرض “كاتارسيس” لعبد الرحمان العيادي امتدادا لرؤية فنانة تتعامل مع الأغنية بوصفها أكثر من لحن وكلمات؛ بوصفها مساحة للإنسان، وللذاكرة، وللإحساس الذي تخشى أن تبتلعه موجة متسارعة من التبسيط والتسطيح.
على الركح، اختارت مكادي النحاس أن تستعيد عددا من الأغاني التي رسخت في الوجدان العربي، فغنّت “هيا على هيا” و”علّموني” و”لاموني اللي غاروا مني”و”عالعين”.
وكانت هذه الاختيارات كاشفة عن مسار فني لا يراهن على الاستسهال، ويستند إلى مخزون غنائي عربي غني، حيث للكلمة وزنها، وللحن ذاكرته، وللصوت شخصيته وقدرته على حمل المعنى.
في “كاتارسيس”، جاءت مكادي النحاس بصوت يعرف كيف يقترب من الأغنية دون أن يختزلها في استعراض تقني، فالقيمة الفنية في تجربتها لا تقوم على قوة الأداء وحدها، وإنما على علاقتها بما تغنيه.
هي من الفنانات اللواتي يبدون أكثر انشغالا بما تقوله الأغنية وكيف يصل إحساسها إلى المستمع، من مجرد البحث عن لحظة تصفيق عابرة، ولعل هذا ما يجعل حضورها الفني مختلفا في زمن تتغير فيه صناعة الموسيقى بسرعة.
فمكادي لا تنظر إلى الأغنية بمعزل عن السياق الذي تصنع فيه، ولا إلى الفنان باعتباره منفذا لما تفرضه السوق، لذلك جاءت تصريحاتها على هامش مشاركتها في مهرجان بوقرنين الدولي أقرب إلى مراجعة صريحة لمشهد موسيقي ترى أنه يواجه سؤالا يتجاوز الذوق الفني إلى سؤال الإنسان نفسه.
تقول مكادي النحاس إن “الموسيقى فقدت الإنسانية”، وتربط جزءا من هذا التحول بصعود الذكاء الاصطناعي وبنوعية المواضيع التي باتت حاضرة في الأغاني.
بالنسبة إليها، لا يكمن الخوف في التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها إلى جزء من منظومة تنزع شيئا فشيئا من حضور الإنسان في العملية الإبداعية.
“الموضوع مخيف لأنه يجردنا شيئا فشيئا من إنسانيتنا”، تقول، في عبارة تختصر هاجسها الأساسي. فحين تصبح الأدوات قادرة على إنتاج الأصوات والصور والموسيقى بسرعة، يصبح السؤال الأهم، في نظرها، حول ما الذي سيبقى من التجربة الإنسانية داخل العمل الفني من الضعف، والذاكرة، والألم، والفرح، والتناقضات التي لا يمكن اختزالها في خوارزمية.
لكن مكادي النحاس لا تحمل التكنولوجيا وحدها مسؤولية ما تعتبره تراجعا في المشهد الموسيقي، فهي ترى أن الخلل أعمق، وأن “الصناعة” نفسها باتت تساهم في إنتاج هذا الواقع، قبل أن تشير إلى دور الإعلام في تكريس ما تسميه “تسطيح الأشياء وتسطيح الأحاسيس”.
وهنا تنتقل رؤيتها من نقد الأغنية إلى نقد البيئة التي تمنح بعض الأغاني انتشارها، وتحدد ما يصل إلى الجمهور وما يبقى خارج دائرة الضوء. فحين يصبح السهل أكثر قابلية للتداول من العميق، وحين تتحول الإثارة إلى معيار للانتشار، لا يعود الفنان وحده مسؤولا عن المشهد، بل تصبح المنظومة بأكملها شريكة في تشكيل الذائقة.
وفي هذا السياق، تقول إنها تشعر بالخطر إلى درجة أنها تسأل نفسها أحيانا عن معنى الغناء، وهي تقول “ليش لازم نغني”، وهي جملة لا تبدو استسلاما بقدر ما تكشف حجم القلق الذي يرافق فنانة ترى أن الغناء مسؤولية أيضا. فأن تغني في زمن كهذا يعني، بالنسبة إليها، أن تختار ما الذي تريد أن تتركه خلفها، وأن تقاوم التحول إلى مجرد صوت في سوق مكتظة بالأصوات.
وتتحدث مكادي كذلك عن جمهور ترى أنه “تم الاشتغال عليه”، حتى أصبح أكثر تقبلا لنوع سطحي من الأغاني ولما تعتبره إسفافا وتسطيحا. وهي لا تضع المسؤولية على الجمهور وحده، وتفتح بذلك سؤالا عن كيفية صناعة الذائقة نفسها: هل الجمهور يطلب ما يقدم له، أم أن ما يقدم له على مدى سنوات يعيد تشكيل ما يطلبه؟
في هذا السياق، تبدو عبارتها حول رحيل الفنانين الكبار واستسلام آخرين أكثر من مجرد حنين إلى زمن مضى، إذ تقول إن الفنانين الكبار رحلوا، وإن جيلا آخر حمل قبل عشرين عاما مسؤولية كبيرة ومشوارا صعبا، لكنها ترى أن الطريق اليوم أصبح أصعب. وبين الماضي والحاضر، تقف مكادي النحاس في موقع الفنانة التي اختارت ألا تتعامل مع الإرث بوصفه مادة تستدر الحنين، وإنما أمانة ينبغي حمايتها.
“نحاول أنا وفنانون يشبهونني أن نحافظ على ما تبقى من الإرث”، في هذه الجملة تختصر فلسفتها الفنية التي تتمثل في أن المقاومة لا تكون دائما بالصخب، وقد تكون أحيانا في الاستمرار في تقديم أغنية تؤمن بها، وفي رفض تحويل الصوت إلى سلعة، وفي الإصرار على أن للكلمة قيمة وللإحساس مكانا وللجمهور حقا في أن يسمع ما هو أعمق من العابر.
ولعل اختيارها أغنيات مثل “علّموني” و”لاموني اللي غاروا مني” و”عالعين” داخل “كاتارسيس” لم يكن منفصلا عن هذه الرؤية. فهذه الأغنيات تنتمي إلى زمن كانت فيه الأغنية قادرة على بناء علاقتها بالمستمع عبر الكلمة واللحن والصوت.
وفي حديثها عن “تسطيح القضايا في العالم العربي” تتسع رؤيتها مرة أخرى من الموسيقى إلى المشهد الثقافي والإنساني الأوسع. فالتسطيح، في نظرها، لا يطال الأغنية وحدها، بل يمتد إلى طريقة تناول القضايا والأحاسيس والأسئلة الكبرى، حتى تصبح الأشياء “هلامية”، فاقدة لحدودها وعمقها.
ومع ذلك، لا تريد مكادي النحاس أن تنهي حديثها من موقع اليأس، إذ تقول إن الأمل موجود وأنها متفائلة ببعض محاولات الشباب،
وهذه المساحة الصغيرة من التفاؤل تبدو ضرورية في فلسفتها.
فلو كانت ترى أن كل شيء انتهى، لما كان هناك معنى لمحاولة الحفاظ على ما تبقى من الإرث ووجود فنانين يواصلون الغناء من داخل قناعاتهم، ووجود شباب ما زالوا يبحثون عن معنى آخر، يعني أن المعركة لم تُحسم بعد.
وفي بوقرنين، كانت مكادي النحاس تغني أغنيات يعرفها الجمهور، لكنها كانت تقول، من خلال اختياراتها ومن خلال حديثها، شيئا أبعد من الأغنية نفسها. كانت تدافع عن حق الفن في أن يكون إنسانيا، وعن حق الصوت في أن يحمل إحساسا حقيقيا، وعن حق الذاكرة في ألا تتحول إلى بضاعة مستهلكة.
وبين “هيا على هيا” و”علّموني” و”لاموني اللي غارو مني” و”عالعين”، بدا حضورها في “كاتارسيس” أشبه باستعادة لزمن كانت فيه الأغنية تُبنى ببطء وتعيش طويلا. أما اليوم، وفي زمن السرعة والذكاء الاصطناعي والمنصات التي تختصر المسافة بين الفنان والجمهور، فإن سؤال مكادي النحاس يبقى مفتوحا: كيف نحافظ على الإنسان داخل الأغنية؟
ربما كانت إجابتها، ببساطة، في استمرارها هي نفسها في الغناء، فحين يصر فنان على تقديم ما يؤمن به، رغم صعوبة الطريق وتغير الذائقة، يصبح صوته جزءا من المقاومة، ليست مقاومة ضد التكنولوجيا، ولا ضد الجديد، بل ضد أن يفقد الفن قدرته على لمس الإنسان.