بقلم أيمن اليزيدي*
تتجاوز الأزمة في تونس حدود تعقيد الإجراءات الإدارية وتراكم البيروقراطية، كما لا يمكن اختزالها في ضعف التكوين السياسي لدى القائمين على إدارة الشأن العام، بل ترتبط أساسًا بطبيعة التفكير الذي يحكم صناعة القرار العمومي، وباتساع الفجوة بين المكاتب التي تُصاغ داخلها المشاريع والواقع الذي يُفترض أن تُنفَّذ فيه.
ولعل مسلسل ملعب المنزه، الذي يكاد يتحول إلى حكاية طويلة أشبه بالمسلسلات المكسيكية، يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الأزمة. فبعيداً عن الجدل المتعلق بسنوات التعطيل، والقرارات المتعاقبة، ومواعيد إعادة التهيئة، يبدو أن السؤال الأكثر أهمية لم يحظ بما يستحقه من اهتمام: هل ما زال موقع الملعب مناسباً للمشروع الذي يجري التفكير فيه؟
قد يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة يفتح نقاشاً أوسع حول علاقة التخطيط العمومي، والعمراني بالتحولات العمرانية والديمغرافية التي عرفتها العاصمة التونسية خلال العقود الأخيرة.
المنزه لم تعد هي المنزه التي عرفناها في الثمانينات والتسعينات
عندما شُيّد الملعب، كانت المنطقة المحيطة به مختلفة تماماً من حيث الكثافة السكانية وطبيعة الأنشطة الاقتصادية والإدارية وحركة التنقل. أما اليوم، فقد أصبحت منطقة المنزه جزءاً من النسيج المركزي للعاصمة، وتحوّلت المناطق المحيطة بها إلى فضاء عمراني وتجاري وإداري كثيف، تتداخل فيه الأحياء السكنية مع المؤسسات والمراكز التجارية ومختلف الأنشطة اليومية.
هذا التحول يجعل مجرد التفكير في إعادة ترميم ملعب كرة قدم في موقعه الحالي مسألة تتجاوز بكثير الجوانب الهندسية والفنية. فالمشكلة ليست في إمكانية ترميم المنشأة أو تحديث مدارجها وتجهيزاتها، وإنما في قدرة محيطها على استيعاب الوظيفة الجديدة التي يراد إسنادها إليها.
لنتصور مثلاً حجم الحركة المرورية التي يمكن أن يخلقها تنظيم مباراة كبرى في ملعب المنزه. أين ستتوقف آلاف السيارات؟ وكيف ستُنظّم حركة الجماهير والمترجلين؟ وكيف يمكن ضمان انسيابية المرور باتجاه المنازه والمنارات وأريانة والمناطق المجاورة، في منطقة تعاني أصلاً اختناقاً مرورياً خلال ساعات الذروة، سواء عند التوجه إلى العمل صباحاً أو العودة منه مساءً؟
ثم هناك البعد الأمني، الذي لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً ثانوياً. فالملعب يوجد وسط نسيج عمراني وتجاري وسكني متداخل. وأي انفلات جماهيري أو أعمال شغب قد لا تبقى تداعياته محصورة داخل المنشأة الرياضية، بل يمكن أن تمتد إلى المحلات التجارية والممتلكات الخاصة والأحياء السكنية والطرقات المحيطة. وهذا يطرح أسئلة جدية حول إمكانات التدخل الأمني، وسرعة تطويق الأحداث، وحماية السكان والممتلكات، والكلفة الاقتصادية والاجتماعية لأي إخلال بالنظام العام.
إنها أسئلة يفترض أن تسبق القرار الهندسي، لا أن تظهر بعد إنفاق الأموال وبدء الأشغال.
المشكلة ليست في الملعب وحده، بل في طريقة التفكير في موقعه ووظيفته
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين المحافظة على الذاكرة الرياضية والوطنية لملعب المنزه، وبين الإصرار على إعادة إنتاج وظيفته القديمة في فضاء لم يعد يحتمل بالضرورة الشروط نفسها.
فليس كل ما يمكن ترميمه ينبغي بالضرورة إعادة تشغيله بالطريقة ذاتها. وقد يكون من الأجدى التفكير في حلول متعددة، من بينها إعادة توظيف جزء من المنشأة، أو تحويلها إلى فضاء رياضي وثقافي متعدد الاستخدامات، أو دراسة بدائل أخرى وفق تقييم عمراني ومروري وأمني واقتصادي شامل. المهم ألا يتحول الارتباط الرمزي بالمكان إلى عائق أمام التفكير العقلاني في مستقبله.
وهذه ليست حالة معزولة. فملف مطار تونس قرطاج يطرح بدوره أسئلة مشابهة، وإن اختلفت طبيعة المشروع وتفاصيله. فالنقاش حول مستقبل المطار لا ينبغي أن يختزل في عدد المدارج أو طاقة الاستيعاب أو كلفة التوسعة، بل يجب أن ينطلق من موقعه داخل المجال العمراني للعاصمة، ومن حدود التوسع الممكنة، ومن تأثير حركة الطائرات والمسافرين والنقل البري على المحيط السكاني والاقتصادي.
إن التفكير في مستقبل مطار دولي داخل منطقة عمرانية مكتظة يستوجب رؤية تتجاوز الحلول الظرفية والترقيعات المتعاقبة. كما يستوجب مقارنة الخيارات المتاحة على المدى المتوسط والبعيد، بما في ذلك تطوير البنية التحتية القائمة أو التفكير في توزيع الوظائف الجوية بين أكثر من منشأة، متى أثبتت الدراسات جدوى ذلك.
ما يجمع بين الملفين هو أزمة التخطيط أكثر من أزمة المنشآت
ففي الحالتين، نواجه إشكالاً يتعلق بقدرة الإدارة العمومية على استيعاب التحولات التي طرأت على المجال الذي تديره. وكأن القرارات لا تزال تُصاغ وفق خرائط قديمة، ومعطيات لم تعد تعكس الواقع، ورؤى تتداول داخل مكاتب مغلقة، دون أن تتفاعل بما يكفي مع احتياجات السكان وحركة الاقتصاد والتحولات العمرانية.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من التفكير الإداري في تونس لا يزال محكوماً بمنطق قصير المدى، لا يتجاوز في أفضل الحالات سنتين أو ثلاثاً. وهو منطق يفضّل البحث عن حل سريع للمشكلة الظاهرة، عوض طرح الأسئلة الصعبة المتعلقة بمستقبل المشروع ووظيفته وموقعه وكلفته الحقيقية على المجتمع.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: قد تنفق الدولة أموالاً طائلة على مشروع يبدو ناجحاً من الناحية الهندسية، لكنها تكتشف لاحقاً أن محيطه غير قادر على استيعابه، أو أن تشغيله يخلق مشكلات أكبر من تلك التي كان يفترض أن يحلها.
إن التخطيط ليس مجرد إنجاز دراسات فنية، وإعداد طلبات عروض، وتخصيص اعتمادات مالية. إنه قبل كل شيء قدرة على قراءة الواقع واستشراف تحوّلاته، وربط القرار العمومي بحاجات المجتمع، وتقدير الآثار غير المباشرة للمشاريع قبل تنفيذها.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون إشراك المختصين في التخطيط العمراني والنقل والاقتصاد والأمن والبيئة، إلى جانب البلديات والسكان والفاعلين الاقتصاديين، ودون إخضاع الخيارات الكبرى لدراسات جدوى مستقلة وشفافة، ومقارنة البدائل على أساس الكلفة الإجمالية والعائد الاجتماعي والاقتصادي.
فتونس لا تحتاج فقط إلى إدارة أسرع في تنفيذ المشاريع، وإنما إلى إدارة تفكر بصورة مختلفة، وتدرك أن الواقع لا ينتظر قراراتها، وأن المدن لا تتوقف عن التوسع والتحول حتى تفرغ المكاتب من اجتماعاتها.
إن أزمة ملعب المنزه ومطار تونس قرطاج ليست في الخرسانة أو المدرجات أو المدارج الجوية، بل في عقلية إدارية ما زالت تفكر بمنطق الأمس، بينما تحاول إدارة واقع الغد.
ملاحظة : الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
* صحفي وباحث في العلوم السياسية