في مملكة الحيوان (Le Règne animal)، لا يبدو التحول من الإنسان إلى الحيوان حادثة بيولوجية غريبة بقدر ما يبدو زلزالا يصيب تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانا.
لا يكتفي الفيلم الذي عرض في دار الثقافة بتستور، ضمن تظاهرة فيا باغرادا التي ينظمها مزيوم لاب، بالسؤال عما يحدث حين يتحول البشر إلى كائنات أخر ويطرح سؤالا أكثر إزعاجا عما يبقى من الإنسان حين يصبح الاختلاف عن الآخرين سببا كافيا لنزع حقه في الوجود بينهم.
على ناصية هذين السؤالين يمكن قراءة فيلم توما كايي، الذي يضع شخصياته في عالم بدأ يفقد الحدود التي اعتاد الإنسان أن يقيمها بينه وبين الطبيعة.
أجساد تتغير، وهويات تتشقق، وكائنات جديدة تظهر في فضاء اجتماعي لا يعرف كيف يستقبلها.
وفي مواجهة هذا التحول، لا تبدو الدولة والمجتمع منشغلين كثيراً بفهم ما يحدث بقدر انشغالهما بإعادة ضبط ما خرج عن المألوف.
لكن الفيلم لا يضع هذه الأزمة في مستوى سياسي مباشر فقط. إنه يجعلها أزمة حميمة، ويختار الأب “فرانسوا” (روميان دوريس) كي يختبر من خلاله معنى أن يحب الإنسان شخصاً لا يستطيع حمايته من التحول.
“فرانسوا” ليس بطلا يملك معرفة سرية بما يحدث. إنه رجل عادي ألقي به في عالم لم يعد يفهم قواعده. زوجته تتحول، وابنه “إميل” (بول كيرشر) يقترب من التحول، بينما تتراجع أمامه تدريجياً الصورة المستقرة للعائلة.
في البداية، يبدو أن فرانسوا يريد استعادة ما فقده. يبحث عن زوجته، يحاول حماية ابنه، ويتمسك بفكرة أن الأشياء يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه. لكن مملكة الحيوان لا يسمح له بهذا الوهم طويلا في عالم يتغير بعيدا عن وجود خطر يسارع الكل للقضاء عليه.
ويتجلى المأزق الحقيقي للأب فهو لا يستطيع أن يحمي ابنه من شيء لا يعرف ماهيته. يمكن للأب أن يواجه شخصا، أو مرضا، أو حادثا، أو خطرا محددا. أما المجهول فلا يمكن الإمساك به. ولذلك فإن خوف “فرانسوا” منشطر بين احتمال فقدان ابنه، وعجزه عن تعريف ما يخشاه.
وفي المقابل “إميل” لم يعد ابنه الذي يعرفه، ولكنه أيضاً لم يصبح “شيئاً آخر” بشكل كامل. إنه عالق في منطقة وسطى.
والتحول الذي يشهد جسد الابن ينسحب على التغير في علاقته بالأب الغالي بين الرغبة في حمايته والرغبة في فهمه.
وفي الفيلم، يتجلى الجسد موضوعا للخيال العلمي وساحة الصراع الأساسية.فالتحول يحدث داخل الجسد، لكن المجتمع يتعامل معه بوصفه مشكلة خارجية ينبغي احتواؤها.
وما إن يصبح الجسد غير مطابق للصورة المعروفة للإنسان حتى يصبح موضع مراقبة وتصنيف وعزل.
ويتقاطع “مملكة الحيوان” مع سؤال أقدم بكثير من حكاية المتحولين وهو “من يملك الحق في تعريف الطبيعي؟”
ولا يقدم الفيلم الكائنات المتحولة على أنها شريرة خالصة. إنها في الغالب كائنات تحاول أن تعيش، أن تتكيف مع أجسادها الجديدة، وأن تجد مكانا في عالم يرفض الاعتراف بها.
لكن المجتمع، أمام عجزه عن استيعاب الاختلاف، ينتقل من الخوف إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الاحتجاز. وتصبح عبارة “النظام” محل مساءلة فأي نظام هذا الذي لا يستطيع أن يستوعب إلا من يشبهون بعضهم؟
والمثير في الفيلم أن العنف لا يظهر دائما بشكل مباشر. أحيانا، يكمن في اللغة التي تصنف الآخر، وفي المكان المتاح له، وفي الحدود التي يُرسمها المجتمع حوله.
المراكز المغلقة، عمليات النقل، المطاردة، والوجود الأمني كلها تنتمي إلى منطق واحد، منطق العزل الذي ينتجه النظام عندما يعجز عن إنتاج التعايش.
والفيلم لا يحتاج إلى تصوير كل ما يحدث داخل هذه المراكز كي يجعل المتفرج يشعر بثقلها. يكفي أن تبقى خلف الصورة، في المنطقة التي لا نراها، حتى تنغمس مساحة للخيال والقلق.
وهذا الاختيار الجمالي مهم، إذ يعزز الشعور بحدوث أشياء لا يستطيع سبرها خلف الجدران، فيصبح “خارج الكادر” امتدادا للعنف نفسه.
في مقابل المركز المبهم، تأتي الغابة، لكن الغابة ليست ببساطة مكان الحرية، كما قد توحي القراءة الأولى. إنها أيضا مكان الإقصاء. الكائنات التي لم يعد لها مكان في المجتمع البشري تجد نفسها مضطرة إلى العيش في فضاء بعيد عنه.
ومع ذلك، تمنحها الغابة إمكانية غير متاحة في المدينة، إمكانية أن تكون كما هي، ولو مؤقتا.
في الغابة يتراجع معنى المراقبة. لا أحد يطلب من الكائن أن يثبت إن كان إنسانا أم حيوانا. لا أحد يطالبه بالعودة إلى صورة سابقة من نفسه. في الغابة، يصبح الاختلاف جزءا من الوجود لا سببا للعقاب، وهو ما يجعل المشهد الذي يلتقي فيه “إميل” بالكائنات في عمق الغابة لحظة نادرة في الفيلم، لحظة لا يكون فيها الاختلاف مشكلة تحتاج إلى حل.
لكن كايي لا يحوّل هذه اللحظة إلى يوتوبيا، فسرعان ما تصل المطاردة لتقول إن إمكانية بناء عالم مشترك موجودة، لكنها لم تصبح بعد حقيقة سياسية أو اجتماعية.
وعلى إيقاع التأرجح بين عالمين، يتكثف وجود “إميل” الذي يقف في المنتصف. إنه ليس إنسانا سابقا يريد العودة إلى إنسانيته، ولا حيوانا مكتمل التحول يريد التخلص من ماضيه.
وهذه المنطقة الوسطى هي جوهر الفيلم، فالتحول يقترن بفقدان مؤقت للقدرة على تحديد الهوية. إميل لا يعرف ماذا سيصبح، والأب لا يعرف كيف ينبغي أن يتعامل معه، والمجتمع لا يعرف أين يضعه.
إنها حالة من التوهان الوجودي، تدفع إلى فهم حضور الأب بطريقة مختلفة. “فرانسوا” يقف إلى جانب ابنه في مواجهة العالم، ويعيش التوهان نفسه. الاختلاف أن ابنه يختبر التحول داخل جسده، بينما يختبره الأب داخل علاقته به وكل منهما يتغير، لكن بطريقة مختلفة.
وفي أحد مستوياته، يمكن النظر إلى الفيلم من زاوية الأبوة،الأب يحب ابنه، ولذلك يريد حمايته. لكن ماذا تعني الحماية عندما يكون الخطر جزءا من هوية الشخص نفسه؟
وهل حماية إميل تعني منعه من التحول؟ أم مساعدته على فهم ما يحدث له؟ وهل يستطيع الأب أن يحب ابنه دون أن يطالبه بالعودة إلى الصورة التي اعتادها؟
إن وقوة شخصية فرانسوا تأتي من العجز عن الإجابة عن هذه الأسئلة فهو لا يصبح فجأة رجلا متحررا من خوفه، ولا يتحول إلى مبشر بعالم جديد. يظل مترددا، يتقدم ويتراجع، يقترب من الغابة ثم يعود إلى حدودها.
إنه أب يريد أن ينقذ ابنه، لكنه يكتشف تدريجيا أن الإنقاذ قد لا يعني إعادته إلى الوراء.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن الفيلم لا يضع الحرية في مواجهة القمع بشكل مباشر. الحرية نفسها مخيفة.
فالخروج من النظام يعني أيضا فقدان اليقين. أن تغادر المدينة إلى الغابة يعني أن تتخلى عن الخريطة. أن ترفض التعريف المفروض عليك يعني أن تتحمل مسؤولية تعريف نفسك.وهذا ما يجعل المجهول جذابا ومخيفا في آن.
فالغابة تمنح الكائنات حرية، لكنها لا تمنحها الأمان. والتحول يحررها من بعض القواعد، لكنه يحرمها من المكان الذي كانت تعرفه.
ولا يمكن قراءة الفيلم كدعوة بسيطة إلى “العودة إلى الطبيعة”. الطبيعة نفسها ليست فردوسا، إنها مساحة الاحتمال، والاحتمال أكثر قسوة من اليقين.
“مملكة الحيوان”، يحمل في عنوانه مفارقة لافتة، إذ يوحي بعالم مكتمل، بنظام جديد حل محل النظام القديم. لكن الفيلم لا يقدم مملكة بهذا المعنى. فنحن أمام بداية تحول، أمام عالم لم يكتمل بعد.
قد يكون الفيلم، في أحد تأويلاته الممكنة، معلقة عند لحظة الغروب، الإنسانية القديمة لم تختفِ، والمستقبل الجديد لم يولد. وبينهما يقف إميل، ويقف معه “فرانسوا”، عند الحافة.
وبين الإنسان والحيوان مسافة، وبين النظام والحرية صراع الحاجة إلى الأمان والرغبة في الانعتاق، وبين المعرفة والجهل، مجهول يجبر الإنسان على أن يعيد النظر في كل ما كان يظنه ثابتا.
في النهاية، لا يجد فرانسوا إجابة على حافة الغابة ويدخلها إميل وقد اكتملت هويته ولا ينتصر عالم على آخر ويبقى الجميع في حالة عبور.