تُعتبر الحصة الواحدة من المسائل التي تعوق اليوم اقتصاد البلاد التونسية، وذلك لأن نسق العمل في المرفق العمومي ينخفض بنسبة 24 في المائة خلال شهري جويلية وأوت، وهو ما يتسبب في إضعاف إنتاجية الموظف والمنافسة ونسق النمو. فما الحل، في ظل صعوبة العدول عن اعتماد نظام الحصة الواحدة؟
يكثر الحديث في هذه الفترة من السنة، وبحلول الحصة الواحدة التي تنطلق بداية شهر جويلية لتنتهي آخر شهر أوت، عن إنتاجية الموظف في الإدارات العمومية، وبخاصة تأثيراتها السلبية على النسيج الاقتصادي للبلاد، خاصة وأن حجم ساعات العمل يتقلص بصفة كبيرة. فعوضا عن 40 ساعة المعروفة، يشتغل الموظف العمومي 30.5 ساعة فقط خلال شهري جويلية وأوت، أي أن انخفاض عدد ساعات العمل يبلغ حوالي 24 بالمائة.
كما أن من الأسباب التي دعت إلى اعتماد هذا النظام، والمتعلقة بالاقتصاد في الطاقة، ينفيها الواقع اليوم، إذ تغيّر الوضع تماما مع انتشار المكيفات الهوائية. ومن الملاحظ أن استهلاك الطاقة بسبب المكيفات يزداد في البيوت بعد مغادرة الموظفين لمكاتبهم، إلى جانب استخدامها في مواقع العمل. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الفترة بين الساعة الواحدة مساء والساعة الرابعة مساء تعرف تصاعدا في استهلاك الطاقة خلال أشهر الصيف.
رقمنة الإدارة
إلى جانب ذلك، يتم دائما الحديث عن شدة الحر خلال فترة الصيف، خاصة في ساعات العصر، والتي يصعب مجابهتها، وتعوق بالطبع سير العمل، وبخاصة بالنسبة إلى العاملين خارج المكاتب، مثل الأعوان الذين يضطرون، نظرا إلى طبيعة عملهم، إلى القيام بتدخلات في الحضائر أو في الطريق العام أو في الأسواق العامة، على سبيل المثال. وهم كثر، وهو أمر منطقي جدا ليس للمرء قدرة على تجاوزه.
غير أن ذلك لا يعني استحالة إيجاد حلول لتجاوز هذا الوضع. فالحلول ممكنة، ومن بينها التسريع في رقمنة الإدارة، وهو ما من شأنه أن يحقق، وعلى الأقل، ثلاثة أهداف في آن واحد لتعصير الخدمات الإدارية: تسريع الإجراءات، وإضفاء مزيد من الشفافية على المعاملات، والحد من التعاملات المباشرة التي تجبر المواطن على التنقل إلى المرفق المعني للحصول على الخدمة، والتي تعتبر، في كثير من الأحيان، إضاعة للوقت الذي يمكن تخصيصه لغايات نافعة أخرى.
صعوبة التنقل
كما تمكّن الرقمنة، في هذا السياق، من تفادي تنقل المواطن من مصلحة إلى أخرى لإعداد ملف – وكثيرا ما يتم الأمر على هذا النحو – يتضمن عديد الوثائق الإدارية التي تطلبها المؤسسة التي يتوجه إليها. إذ يمكن للموظف جمع هذه الوثائق، مثل نسخة من بطاقة التعريف الوطنية، وشهادة في الجنسية، ومضمون ولادة، وشهادة ملكية، من خلال منصة موحدة.
ومن المنتظر أن يعرف الأمر تحسنا مع إقدام الدولة على رقمنة 80 في المائة من خدماتها في أفق سنة 2030، وهو أمر ضروري إذا أرادت البلاد التواجد على رادارات المستثمرين، التونسيين والأجانب، على حد سواء.
هذا فضلا، بالطبع، عن تحسين بعض الخدمات، مثل النقل، الذي يرهق كاهل المواطن خلال الفترات المعروفة بشدة الحر، ويجبره على انتظار الحافلات والقطارات طويلا، إضافة إلى ركوبها مكتظة في أوقات الذروة، إلى جانب غياب التكييف فيها على النحو المطلوب. علما أن بعض وسائل التنقل خلال هذه الفترات، مثل سيارات الأجرة، لا تكون متوفرة، أو على الأقل ليست بالعدد الكافي.
حصص للدوام
كما أن من الحلول الممكنة التفكير في تنظيم حصص للدوام في بعض المرافق التي تعرف إقبالا كبيرا بسبب بعض الأنشطة الاجتماعية خلال فترة الصيف، وبسبب قدوم التونسيين المقيمين بالخارج، الذين أصبحوا اليوم داعما أساسيا لمداخيل البلاد. فقد بلغت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج 3.669 مليار دينار تونسي (نحو 1.26 مليار دولار) خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الحالية، مسجلة تطورا بنسبة 4.5% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وعلى مدار العام كاملا، تناهز هذه التحويلات 9 مليارات دينار، وهو ما يمثل حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي لتونس.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجوب العدول عن نظام الحصة الواحدة، وإنما يتعلق الأمر بإيجاد حلول عملية للتقليل من تأثيراته على النسيج الاقتصادي عامة. فلا يخفى على أحد أن هذا النظام يؤثر سلبا في الإنتاجية، نظرا إلى حجم المرفق العمومي، كما ينعكس على نسبة النمو، ومنطقيا كذلك على المداخيل الجبائية للدولة.
ويبلغ إجمالي أعوان الوظيفة العمومية في تونس نحو 687 ألف موظف، وفقا لبيانات قانون المالية، ويتوزع هذا العدد على الوزارات والمؤسسات العمومية. كما أن فترة الصيف معروفة بركون عديد الموظفين إلى الراحة وانخفاض مردوديتهم لأسباب عدة، وهو ما يمكن أن تؤكده الإحصائيات لو توفرت في هذا المجال بالنسبة إلى كامل المرفق العمومي.
محمد قنطاره