تسبق الموسيقىَ في قاعة التمارين أصواتٌ أخرى، احتكاك الأقواس بالأوتار وهي تختبر بدايات الجمل، نغمات منفردة تتسرّب من هنا وهناك، حركات، نظرات تتجه نحو زياد الزواري، ثم توقّف مفاجئ يعيد الجميع إلى نقطة البداية.
لا شيء يبدو مكتملًا بعد، عازف يراجع حركة أصابعه، وآخر يرفع كمانه إلى كتفه استعدادًا للمقطع التالي، فيما تتعلّق عيون ببعضها بحثًا عن إشارة تضبط الدخول أو تنبّه إلى إيقاع أفلت من المجموعة.
تُعاد الجملة الموسيقية، أكثر من مرة. وبين المحاولة وأختها، تتقدّم التفاصيل الصغيرة نحو الصورة الأكبر.
في الكواليس التي تسبق عرض “100 كمان”، لا تتشكّل الموسيقى دفعة واحدة، ولا يكفي أن يجيد كلّ عازف ما بين يديه حتى يصبح الصوت الجماعي ممكنًا.
ثمّة عمل شاقّ على المسافة الفاصلة بين ما يسمعه الموسيقي في داخله وما ينبغي أن يصل إلى أذن المجموعة.
على كلّ عازف أن ينتبه إلى حركته، لكن عليه أيضًا أن يسمع ما يفعله الآخرون، وأن يعرف متى يتقدّم صوته ومتى يفسح المجال لغيره. فحين تجتمع مائة آلة كمان أو أكثر، تتعدّى المسألة المهارة الفردية فحسب وتصبح اختبارًا للانضباط والإصغاء والقدرة على تحويل الاختلاف إلى بناء موسيقي مشترك.
من فكرة صغيرة انطلقت الحكاية، نواة ضمّت ثلاثين عازف كمان، من بينهم طلبة وموسيقيون تعرّف إليهم زياد الزواري طيلة مسيرته، ثم أخذ الحلم يتّسع إلى أن صار مشروعًا يطمح إلى جمع مائة كمان على ركح واحد.
وبين النواة الأولى والصورة التي يسعى المشروع إلى بلوغها، لم يكن الرهان زيادة عدد العازفين، إنما التفكير في ما يمكن أن يخلقه هذا العدد من طاقة إبداعية، وفي الطريقة التي يمكن بها أن تتحوّل الآلات المتعدّدة إلى صوت له وحدته من دون أن يفقد ثراءه.
من مهارة العازف إلى مسؤولية المجموعة
في التمارين، تبدو هذه المسألة أكثر وضوحًا مما قد توحي به فكرة العرض.
فالكمان آلة تستجيب لأدقّ الحركات من ضغط القوس، وسرعته، وموضعه على الوتر، وحركة الأصابع على لوحة المفاتيح، جميعها تفاصيل تتدخّل في تشكيل الصوت. وما قد يبدو اختلافًا طفيفًا في أداء عازفين اثنين يمكن أن يتحوّل، حين تتكاثر الآلات، إلى تفاوت يسمعه الجمهور بوضوح.
فالانسجام ينبني على عزف النوتات الصحيحة وعلى توحيد النبض، وضبط بدايات الجمل ونهاياتها، والتحكّم في شدّة الصوت، والانتباه إلى ما يحدث داخل المجموعة لحظة بلحظة.
وحين تتوقّف الموسيقى، يكون الصمت جزءا من العمل، في تلك اللحظات، تُراجع الأخطاء وتُستعاد الإشارات، ويعود العازفون إلى المقطع نفسه بتركيز جديد.
ويغدو التكرار طريقة لاختبار مدى استقرار الأداء وهل وصلت الجملة إلى الجميع في اللحظة نفسها؟ هل ظلّ الإيقاع متماسكًا؟ وهل استطاعت الآلات أن تتجاوب بدل أن تتزاحم أصواتها؟
إنّ التحدّي الذي يطرحه مشروع “100 كمان” يكمن في تنظيم هذه الكثافة بعيدا عن مضاعفة الصوت حتى يبلغ أقصى قوّته.
فالصوت الجماعي ليس بالضرورة صوتًا متجانسًا لمجرّد أنّ مصادره كثيرة، قد تتحوّل كثرة الآلات إلى ازدحام إذا غاب التوازن، وقد تفقد الجملة الموسيقية ملامحها إذا طغت القوّة على الدقّة.
وتصبح إدارة التفاصيل شرطا جماليا، لا إجراء تقنيا، ويغدو الإصغاء إلى المجموعة جزءًا من صناعة الصوت بقدر أهمية العزف نفسه.
زياد الزواري… قيادة الإيقاع وبناء العلاقة
في قلب هذا المسار، يتعامل زياد الزواري مع العازفين ضمن عمل يتطلّب الجمع بين الرؤية الموسيقية والقدرة على إدارة مجموعة واسعة ومتنوّعة.
فقيادة أكثر من مائة عازف لا تعني إعطاء الإشارات فحسب، هي تتعلق أيضا ببناء لغة مشتركة يفهمها الجميع، وتحديد الطريقة التي ينتقل بها الأداء من مقطع إلى آخر، مع المحافظة على التركيز والطاقة طوال التمرين.
وتكشف الإعادات عن طبيعة هذه العلاقة، فالموسيقى لا تستقيم بالتوجيهات وحدها، وتحتاج إلى أن يدرك العازف ما يُطلب منه، وأن يلتقط الإشارة في الوقت المناسب، وأن يصبح واعيًا بموقعه داخل النسيج الجماعي. وفي هذا السياق، لا ينفصل البعد الفني عن البعد التكويني. فالتمرين يتيح للعازفين اختبار مهاراتهم في وضع مختلف عن العزف الفردي أو ضمن مجموعة صغيرة، حيث تتضاعف مسؤولية الانتباه ويصبح الخطأ الفردي جزءًا من نتيجة مشتركة.
ولعلّ ما يمنح هذا المسار أهميته هو أنّه يضع الموسيقي أمام سؤال يتجاوز إتقان آلته، كيف يكون حاضرًا بصوته من دون أن ينغلق عليه؟ وكيف يحافظ على حساسيته الفردية وهو يعمل ضمن بناء لا يستطيع أن يكتمل إلا بمساهمة الجميع؟
إنها تجربة في العزف، لكنها أيضًا تجربة في التفاعل، وفي إدراك أنّ الموسيقى الجماعية تتجاوز التشابه التام إلى معرفة الاختلافات وتنظيمها.
لقاء الأجيال
تجتمع في المشروع أجيال مختلفة من العازفين، بين طلبة ما زالوا في طور التعلّم وموسيقيين راكموا تجاربهم في الممارسة. وهذا التنوّع يُعدّ أحد العناصر التي تمنح التجربة إمكاناتها. فاللقاء بين الأجيال يفتح مجالًا للتعلّم بالممارسة، حيث لا تنتقل المعرفة عبر الدروس ومن خلال الملاحظة، والانتباه إلى طريقة أداء الآخرين، والتعامل مع متطلّبات العمل الجماعي.
في قاعة التمارين، يتقاسم الجميع المقطع نفسه، لكنهم لا يصلون إليه بالضرورة من الطريق ذاتها. تختلف الخبرة، وتتباين درجة الثقة والتمكّن، غير أنّ العمل المشترك يضعهم أمام مطلب واحد، أن يكونوا جزءًا من بناء موسيقي متماسك.
وتكتسب التجربة معناها التكويني، إذ يتعلّم العازف أن المهارة لا تُقاس فقط بما يستطيع تقديمه منفردًا، بل أيضًا بما يضيفه إلى المجموعة، وبقدرته على التكيّف مع الآخرين من دون أن يفقد استقلاليته الفنية.
هذا اللقاء بين الأجيال يطرح بدوره سؤال التجديد والأصالة. فالأصالة ليست مجرّد استعادة لما هو مألوف، كما أنّ التجديد لا يتحقّق بمجرد تغيير الشكل أو توسيع حجم العرض. إنّهما يتطلّبان عملًا على المادة الموسيقية نفسها، وعلى طرائق تقديمها وتلقّيها، وعلى خلق فضاء يسمح للخبرات المختلفة بأن تتجاور وتؤثّر بعضها في بعض. ومن هذه الزاوية، يمكن لمشروع «100 كمان» أن يصبح مساحة لاختبار إمكانات جديدة في العمل الموسيقي الجماعي، بقدر ما ينجح في تحويل اللقاء العددي إلى تجربة فنية وتكوينية فعلية.
من مائة كمان إلى شبكة من العازفين في الجهات
ولا يتوقّف المشروع عند حدود العرض، إذ يمتدّ إلى نحو 400 عازف كمان في عشرة مراكز للإبداع الموسيقي بمختلف جهات الجمهورية. هذا الامتداد يوسّع دلالة التجربة، وينقلها من التحضير لحدث فني إلى التفكير في مسار أوسع للممارسة الموسيقية والتكوين. فالمشروع، بهذا المعنى، لا يراهن على اللحظة التي تجتمع فيها الآلات فوق الركح فحسب، بل على ما يمكن أن تتركه هذه التجربة لدى العازفين، وعلى إمكان خلق روابط بين مراكز وتجارب موسيقية مختلفة.
ويكتسب هذا الجانب أهميته من العلاقة بين التكوين والعرض. فحين يلتقي التدريب الأكاديمي بالممارسة الفنية، تصبح المعرفة الموسيقية أكثر اتصالًا بالاختبار الفعلي: كيف يُبنى الأداء؟ كيف تُدار المجموعة؟ وكيف تتحوّل المهارات الفردية إلى قدرة على العمل المشترك؟ إنها أسئلة لا تجيب عنها النوتة وحدها، بل تحتاج إلى التمرين والتجربة والتفاعل المستمر.
ومع ذلك، فإنّ قيمة هذا الامتداد لا تُقاس بعدد العازفين المشاركين فقط، بل بمدى استمرارية العمل وما يتيحه من فرص حقيقية للتعلّم والتطوّر. فالأرقام تمنح المشروع حجمه، لكنّ الأثر الفني والتكويني هو ما يمنحه معناه. وبين نحو 400 عازف موزّعين على عشرة مراكز، ومائة كمان تستعدّ للقاء على ركح واحد، تتشكّل صورة لمشروع يحاول وصل الممارسة المحلية بحدث جماعي واسع، من دون أن يفصل العرض عن المسار الذي أفضى إليه.
الانسجام الذي تصنعه التفاصيل؟
تعود الأقواس إلى الحركة، وتنتظم الأنظار نحو الإشارة التي تسبق انطلاق الجملة الموسيقية. تتراجع الأصوات المتفرّقة شيئًا فشيئًا أمام محاولة جديدة، ويصبح على كلّ عازف أن يوازن بين ما يسمعه من آلته وما يصله من المجموعة.
مازالت هناك تفاصيل تحتاج إلى الضبط، ومقاطع تستدعي مزيدًا من الإعادة، لكنّ ما يتشكّل في بهو دار باش حامبة لا يقتصر على الاستعداد لعرض منتظر.
إنّ “100 كمان” يختبر، في جوهره، إمكان بناء وحدة موسيقية من تعدّد لا يمكن إلغاؤه. فكلّ آلة تحمل صوتها، وكلّ عازف يأتي بخبرته وحساسيته، لكنّ العمل المشترك يفرض عليهم البحث عن نقطة التقاء. .
ولا تكون هذه الوحدة ناجحة إلا حين يصبح لكلّ صوت مكانه، وحين يتأسّس الانسجام على التوازن لا على محو الفروق.
من نواة ضمّت ثلاثين عازفًا إلى مشروع يجمع مائة كمان على الركح، ومن تجربة تتّسع لتشمل مئات العازفين في مراكز الإبداع الموسيقي، تكبر الفكرة وتتعقّد مسؤوليتها.
وفي انتظار لحظة العرض، تظلّ التمارين كاشفة عن الوجه الأقلّ ظهورًا للموسيقى، الإعادات التي لا يسمعها الجمهور، والتركيز الذي يتطلّب من العازف أن يكون حاضرًا في صوته وفي أصوات الآخرين معًا.