في دار الأصرم، لم يحتج السفر إلى حقائب ولا إلى خرائط فقد وضع شربل روحانا أصابعه على أوتار العود، وجاوره إيلي خوري بالبزق والدف الإيراني، فيما نسج مكرم أبو الحسن على الكونترباص امتدادات صوتية عميقة.
في هذا اللقاء الموسيقي، ضمن المهرجان الدولي للعود بالمدينة، انفتحت الموسيقى على أمكنة تتجاوز الجغرافيا، وأزمنة تتجاور فيها الذاكرة والحلم والحاضر.
كان لكلّ آلة مجالها التعبيري وطبقتها الصوتية وطريقتها في بناء الجملة الموسيقية، لكنّ القيمة الأعمق نشأت من المسافة التي تفصل بينها، ومن قدرتها على تحويل الاختلاف إلى حوار.
ثلاثة موسيقيين لا يجمعهم الاشتغال على الآلات الوترية والبحث في ما يمكن أن يحدث حين تلتقي أصوات تنتمي إلى عوالم مختلفة، دون أن تتخلّى عن خصوصيتها.
ولعلّ في عودة شربل روحانا إلى دار لصرم، بعد مشاركته فيها ضمن مهرجان المدينة سنة 1996، ما يشبه استعادة الطريق من نقطة بعيدة، لمواصلة ما بدأته التجربة من أسئلة حول الموسيقى وإمكاناتها.
فالعود الذي حمله معه إلى هذه الخشبة آلة تستعيد التراث ووسيط قادر على إعادة التفكير فيه، عبر المقام والتأليف والارتجال، وعبر الحوار مع آلات لا تنتمي بالضرورة إلى المجال الصوتي نفسه.
العود والبزق… من اختلاف الطابع إلى تكامل الوظيفة
ثمة فارق أساسي بين العود والبزق يتعلق بشكل الآلتين وبتاريخهما وبطبيعة الصوت الذي تنتجه كلّ منهما، وبكيفية توظيفه داخل النسيج الموسيقي.
العود آلة وترية ذات صندوق رنّان يمنحها صوتا دافئا، غنيّا بالتوافقيات، وقادرا على الانتقال بين النغمات في عبارات تتفاوت في كثافتها وامتدادها. وتتيح له طبيعة الأوتار وطريقة العزف بالريشة أداء الجمل اللحنية والزخارف والتلوينات المقامية، فضلا عن إمكانات العزف المتعدد الأصوات، بحسب أسلوب العازف والتوزيع.
وهو، في الموسيقى العربية، آلة ترتبط بمرونة الانتقال بين المقامات، وبالقدرة على إبراز الفروق الدقيقة في المسافات الصوتية، لا سيما حين يتعامل العازف مع أرباع الأصوات والتحوّلات المقامية.
أما البزق، فرغم اشتراكه مع العود في الانتماء إلى عائلة الآلات الوترية المنقورة، فإنّ له شخصية صوتية مختلفة.
فصوته، بحسب نوع الآلة وضبط أوتارها وطريقة العزف عليها، قد يكون أكثر حدّة وبروزا، مع رنين يتيح للنغمة أن تشقّ طريقها داخل النسيج الموسيقي. وتمنحه هذه الخصائص قدرة على إنتاج عبارات أكثر لمعانا وحدّة في بعض التسجيلات، وعلى إبراز الخطّ اللحني بطريقة تختلف عن استدارة صوت العود ودفئه.
ولا ينبغي اختزال الفارق بين الآلتين في ثنائية الصوت المرتفع والصوت الخفيض، إذ تتأثر النتيجة بالسجلّ الذي يعزف فيه الموسيقي، وبقوة النقر، وبطبيعة الريشة، وبالمساحة التي يمنحها التوزيع لكلّ آلة. والأهمّ هو الدور الذي تؤديه كلّ منهما في السياق الموسيقي.
حين يجتمع العود والبزق، يصبح التحدّي هو منع تقارب طبيعتيهما الوترية من تحويل الحوار إلى ازدحام في النسيج. فالآلتان قادرتان على أداء الخطوط اللحنية، وكلتاهما تستطيعان إنتاج زخارف سريعة وتفاصيل دقيقة، ما يجعل التمييز بينهما مسألة تتصل بالتوزيع وبالتحكّم في السجلّ الصوتي والإيقاع وكثافة العزف.
وقد يتولى العود تقديم الجملة الأساسية، فيما يلتقط البزق نهايتها أو يواصلها في مسار موازٍ، وقد يترك العود مساحة للصوت الأكثر لمعانا كي يتقدّم، قبل أن يستعيد زمام العبارة.
وفي مواضع أخرى، يمكن للآلتين أن تتقاطعا في جملة واحدة، فتنتج من تراكب الصوتين كثافة لا تتحقّق بعزف منفرد.
هذا النوع من الحوار يحتاج إلى أكثر من المهارة التقنية، إنّه يتطلّب وعيا بالمساحة الصوتية التي يشغلها الآخر، وباللحظة التي ينبغي فيها تأكيد الحضور أو تخفيفه.
فالتكامل لا يعني أن تعزف الآلتان معا طوال الوقت، إنه يعني أن تعرف كلّ واحدة متى تتقدّم ومتى تنصت.
ويتبادل الصوتان الأدوار بحسب طبيعة المقطوعة، ويختبران إمكان بناء وحدة موسيقية من اختلافهما.
ومن هذه العلاقة تتولّد إحدى متع العرض، أن نسمع الآلتين في وضوحهما المنفرد، ثم نكتشف كيف تتغيّر دلالة كلّ صوت حين يدخل في علاقة مع الآخر.
الكونترباص… ما وراء النغمة، وما بين النبض واللحن
إذا كان العود والبزق يتحرّكان في مجال لحني تتقدّم فيه العبارة والزخرفة وتلوينات النغم، فإنّ الكونترباص يضيف إلى هذا الحوار بعدا مختلفا. فهو آلة وترية كبيرة الحجم، ذات صوت عميق وسجلّ منخفض، وتُعزف في الموسيقى الحديثة غالبا بالقوس أو بالنقر، بحسب السياق والأسلوب.
في هذا الثلاثي، لا تكمن أهميته في أنّه يصدر نغمات منخفضة فحسب، بل في قدرته على تحديد العمق الذي تتحرّك داخله الأصوات الأخرى.
فالخطّ المنخفض يساهم في توضيح المسار الهارموني، وفي تثبيت الارتكاز النغمي، كما يمكنه أن يتحوّل إلى خطّ لحني مستقلّ، أو أن يدخل في حوار مع العود والبزق بدلا من الاكتفاء بمرافقة منتظمة.
وهنا تحديدا تتغيّر طبيعة الإصغاء فالأذن التي تنشغل عادة بالتقاط اللحن الأساسي والزخارف، مدعوّة إلى الانتباه لما يحدث في الطبقات السفلى، كيف تتبدّل النغمات العميقة مع انتقال الجملة، وكيف تمنحها إحساسا بالثقل أو الترقّب أو الاستقرار، وكيف يمكن لتغيير بسيط في الخطّ المنخفض أن يبدّل الإحساس العام بالمقطع.
فالكونترباص جزء من بناء المعنى الموسيقي، لأنّ النغمات العميقة تحدّد، إلى جانب عناصر أخرى، طبيعة التوتر والاستقرار داخل الجملة، وتمنح اللحن مجالا يتحرّك فيه. وقد يتّخذ هذا الدور شكلا إيقاعيا واضحا، أو يظلّ أكثر تحرّرا، تبعا للتأليف والتوزيع.
وتكتسب هذه العلاقة بعدا إضافيا في مقطوعة مكرم أبو الحسن المستلهمة من الإله يانوس، ذي الوجهين اللذين ينظر أحدهما إلى الماضي والآخر إلى المستقبل. ففي هذه المقطوعة، لا يتعامل أبو الحسن مع الكونترباص باعتباره آلة ينبغي أن تُسمع من بعيد، يقترب منه جسديا، يلامس أوتاره ويربت عليها، فيكشف عن علاقة مباشرة بين حركة اليد وطبيعة الصوت المتولّد عنها.
وحين يُنقر الوتر، لا تكون النغمة ارتفاعا أو انخفاضت في الدرجة الصوتية، إنّها أيضا نتيجة لطريقة ملامسة الوتر، ومقدار القوة المبذولة، وموضع النقر، والمدة التي يظلّ فيها الصوت رنّانا قبل أن يخفت.
هذه التفاصيل هي التي تمنح أداء الكونترباص ثراءه التعبيري، وتتيح للعازف الانتقال من نبرة واضحة وحاسمة إلى صوت أكثر خفوتا وحميمية.
وتختلف النتيجة بالطبع بحسب تقنية العزف المستخدمة، فالنقر يتيح للوتر أن يتكلم بوضوح وخصوصية، فيما يمنح القوس إمكانات أخرى في امتداد الصوت واستمراره. لكنّ المشترك بينهما هو قدرة العازف على تشكيل النغمة من خلال علاقته المادية بالآلة، لا من خلال اختيار الدرجة الموسيقية وحدها.
في حركة أبي الحسن على الكونترباص، تصبح هذه العلاقة مرئية بقدر ما هي مسموعة.
وكأنّ العازف لا يكتفي باستحضار الفكرة الميثولوجية، بل يبحث عن مقابلها الموسيقي في التماس بين الجسد والوتر، وبين الصوت الذي يخرج إلى الفضاء والصمت الذي يسبقه أو يعقبه.
الدف الإيراني… حين يدخل الإيقاع في نسيج الحوار
ويضيف الدف الإيراني إلى هذا التشكيل الوَتري إمكانا إيقاعيا مختلفا. فالدف، في تقاليده المتعددة، آلة قادرة على إنتاج طيف من الأصوات يتراوح بين الضربات العميقة والرنين الحادّ الناتج عن اهتزاز الحلقات المعدنية، فضلا عن تنويعات إيقاعية تتشكّل من اختلاف مواضع الضربات وتقنياتها.
وإذا كانت الآلات الوترية الثلاث تتيح بناء الجملة اللحنية، فإنّ الدف يفتح مجالا آخر لتنظيم الزمن الموسيقي. فالإيقاع لا يقتصر على عدّ النبضات أو تثبيت السرعة، بل يحدّد طريقة إحساس المستمع بحركة اللحن وما إذا كان يتقدّم في مسار منتظم، أم يتّسع للمرونة والتأخير، أم تتولّد داخله توترات صغيرة تدفع الموسيقى إلى الأمام.
إنّ حضور الدف الإيراني إلى جانب العود والبزق يتيح إمكانات تتجاوز المرافقة الإيقاعية التقليدية، وهو الصوت ذو الشخصية.
فالتنويع في الضربات، والتلاعب بكثافتها، والانتقال بين الرنين المكتوم والصوت الأكثر وضوحا، كلها عناصر قادرة على خلق تفاعل مع الجمل الوترية.
وقد ينشأ الحوار حين تستجيب الضربات لحركة اللحن، أو حين تتقدّم الإشارة الإيقاعية على العبارة فتمنحها دفعة جديدة، أو حين يترك العازف مساحة من الفراغ تسمح للصوت الوَتري بأن يتكشّف.
وتكمن أهمية هذا التنوّع في أنّه يمنع النسيج الموسيقي من الاستقرار على مستوى واحد من الحركة. فالعود والبزق قادران على تشكيل الخطوط اللحنية، والكونترباص يضيف الامتداد المنخفض، فيما يتيح الدف تشكيل العلاقة مع الزمن والنبض. ومن تفاعل هذه الوظائف، يمكن أن تتولّد موسيقى تتحرّك بين التأمل والاندفاع، وبين الانسياب والتقطيع، بحسب ما تقتضيه كلّ مقطوعة.
المزج… بناء لغة مشتركة
إنّ الحديث عن المزج بين هذه الآلات يتعلّق بتنوّع مصادرها أو اختلاف أشكالها وبكيفية تنظيم العلاقة بينها داخل التأليف والأداء.
فاجتماع العود والبزق والكونترباص والدف الإيراني لا ينتج تلقائيا لغة موسيقية متماسكة. ذلك أنّ لكلّ آلة إمكاناتها التقنية، ولكلّ منها تقاليد في الأداء والتعامل مع اللحن والإيقاع. والتحدّي الحقيقي يكمن في إيجاد صيغة تسمح لهذه الخصائص بأن تتفاعل، دون أن تفقد الآلات هويتها أو تتحوّل إلى ألوان تُضاف إلى بعضها لمجرّد تحقيق تنوّع صوتي.
على مستوى اللحن، يطرح العود والبزق سؤال العلاقة بين الخطّين الموسيقيين، هل يتحرّكان معا، أم يتقاسمان الجملة، أم ينفرد كلّ منهما بمسار خاص؟
وعلى مستوى الإيقاع، يبرز السؤال عن كيفية تفاعل الدف مع مرونة الجملة اللحنية. أما الكونترباص، فيتيح اختبار العلاقة بين المسار المنخفض والخطوط العليا، وبين الارتكاز الهارموني والاستقلال اللحني.
وهذه الأسئلة ليست تقنية محضة، فهي تحدّد طبيعة التجربة التي يصل بها العرض إلى المستمع. فإذا تحرّكت الآلات جميعها في الوقت نفسه، وبالكثافة نفسها، فقد تتراجع خصوصية كلّ منها داخل كتلة صوتية واحدة. أمّا حين يُحسن العازفون توزيع المساحات، ويتركون للصمت النسبي والفراغ دورهما، فإنّ كلّ آلة تصبح أكثر وضوحا، ويغدو دخولها في الحوار حدثا له أثره.
ويتيح هذا التشكيل مساحة للتفاوض بين الخصائص الصوتية، العود بمرونته المقامية، والبزق بوضوح نبرته ورنينه، والكونترباص بامتداده المنخفض، والدف بقدرته على تشكيل النبض.
إنّها علاقة تتطلّب من الموسيقيين أن يفكّروا في الصوت الفردي وفي النسيج الجماعي معا، وأن يجعلوا اختلاف الآلات جزءا من بنية العمل، لا سمة شكلية فيه.
وهنا تتجلّى قيمة التجربة الموسيقية، في أن تمنح كلّ آلة ضرورة فنية داخل العمل، وأن تجعل غياب أيّ منها يغيّر توازن النسيج ومعناه.
من مونريال إلى شمال لبنان… الجغرافيا مادة موسيقية
في مقطوعة “أرق في مونريال” لشربل روحانا، يتحوّل المكان إلى حالة شعورية، فيما تستدعي مقطوعة إيلي خوري عن ضيعته في شمال لبنان علاقة أكثر التصاقا بالجذور والذاكرة. وبين العملين، تتبدّل طبيعة السفر، من مدينة بعيدة إلى مكان شخصي، لكنّ الموسيقى تظلّ قادرة على تحويل الجغرافيا إلى مادة للتأليف.
فالعنوان ليس تفصيلا خارجيا، هو مدخل إلى تخيّل الحالة التي تقترحها المقطوعة. والقيمة الموسيقية لا تقتصر على الفكرة التي ألهمت العمل، وتتحدّد أيضا بكيفية ترجمتها إلى بناء لحني وإيقاعي، وبالاختيارات التي تمنح الصوت شخصيته. فالأرق، مثلا، قد يجد تعبيره في جمل متقطّعة أو توترات إيقاعية أو تحوّلات غير متوقّعة، لكنّ ذلك يظلّ احتمالا تحليليا لا يصحّ نسبته إلى المقطوعة تحديدا من دون الاستماع إلى تفاصيلها.
وكذلك الأمر في مقطوعة الضيعة اللبنانية، فاستحضار المكان لا يعني بالضرورة استعادة ألحان شعبية أو اقتباس ملامح فلكلورية. يمكن للمكان أن يحضر من خلال إحساس العازف بالإيقاع، أو من خلال بناء الجملة، أو في الطريقة التي تتوزّع بها الأصوات وتتفاعل. وقد يكون أثره كامنا في الذاكرة التي انطلقت منها الكتابة، لا في علامات موسيقية مباشرة يمكن تحديدها بسهولة.
وهنا تبرز أهمية الابتعاد عن اختزال الهوية الموسيقية في مجموعة من الإشارات الجاهزة. فالموسيقى التي تنطلق من مكان ما ليست مطالبة بأن تقدّمه في صورة متوقّعة، ولا بأن تكرّر ملامحه المعروفة كي تثبت انتماءها إليه. إنّها تستطيع أن تحمل أثر المكان، ثمّ تعيد صياغته في لغة شخصية، تتقاطع فيها التجربة الفردية مع إمكانات الآلة والتأليف.
يانوس… ثلاثة أصوات وزمن واحد
تجمع مقطوعة مكرم أبو الحسن عن يانوس بين الفكرة الميثولوجية وإمكانات الكونترباص التعبيرية. فالوجه الذي ينظر إلى الماضي والوجه الذي يستشرف المستقبل يضعان الإنسان أمام انقسامه الدائم، فيما يظلّ الحاضر المساحة الوحيدة التي يستطيع أن يعيشها بالفعل.
وموسيقيّا، تتيح هذه الفكرة التفكير في العلاقة بين الامتداد والتوقّف، وبين التكرار والتحوّل، وبين النغمة التي تستند إلى ما سبقها وتلك التي تفتح الطريق لما يليها. فالزمن في الموسيقى لا يتشكّل من تعاقب النغمات وحده، بل من الطريقة التي ندرك بها العلاقة بينها، ما يتكرّر فيبدو مألوفا، وما يتغيّر فيوقظ الانتباه، وما ينقطع فيترك فراغا ننتظر امتلاءه.
ومن خلال حركته على الكونترباص، يمنح أبو الحسن هذه العلاقة حضورا جسديا. فاللمس والنقر والتربيت ليست حركات منفصلة عن الصوت، هي جزء من طريقة إنتاجه وتلوينه. وبين ما تصنعه اليد وما تستقبله الأذن، تتشكّل علاقة تجعل الآلة أكثر من وسيلة للعزف لتصبح شريكا في بناء التعبير.
وفي هذا السياق، يلتقي الكونترباص بالعود والبزق من دون أن يفقد وظيفته الخاصة. فالأصوات العليا تستطيع أن ترسم مساراتها اللحنية، فيما يضيف الخطّ المنخفض عمقا وامتدادا، ويمنح الإيقاع هذه الحركة إطارها الزمني. وتتقاطع الآلات الثلاث، وتكشف كلّ واحدة منها جانبا مختلفا من الفكرة.
الطرب.. نتيجة للحوار
في هذا العرض، لا يأتي الطرب من وفرة النغمات أو من الاستعراض التقني وحده. إنّه يتشكّل من التوازن بين الحركة والسكون، وبين ما تقوله الآلة وما تتركه غير مكتمل، وبين حضور العازف وقدرته على الإصغاء إلى زميليه.
من جملة قصيرة، أو من انتقال مقامي محسوب، أو من نغمة منخفضة تظلّ معلّقة في الفضاء، أو من توقيت دقيق يدخل فيه صوت البزق بعد أن يترك العود له المساحة، قد تنشأ لحظة مؤثرة وأخرى ملهمة.
وفي كلّ هذه الحالات، تكون القيمة في العلاقة بين الأصوات، ليحاكي اللقاء اختبارا لفكرة التكامل الموسيقي وتجاور الآلات دون أن تفقد أي منها خصوصيتها وتحول التنوع إلى لغة مشتركة.
وفي دار الأصرم، عاد شربل روحانا إلى مكان عرفه سنة 1996، لكنّ الرحلة التي حملها هذه المرّة اتّسعت لتشمل أرق مدينة بعيدة، وذاكرة ضيعة في شمال لبنان، وتأمّلا في الزمن عبر أسطورة يانوس.
ومع إيلي خوري ومكرم أبو الحسن، لم يكن العود مركزا ثابتا تدور حوله الآلات الأخرى، إنما صوتا داخل شبكة من العلاقات، تتغيّر فيها الأدوار بحسب ما تقتضيه الموسيقى.
مقامات مختلفة، وأحلام مختلفة، وتوجّهات مختلفة، يتحقق اللقاء بينها بالإصغاء.
ولعلّ هذا هو المعنى الأعمق للسفر الذي يقترحه العرض، أن تظلّ الآلات مختلفة في أصواتها، وأن تجد مع ذلك ما يصل بينها، مثلما يحمل الإنسان أمكنة متباعدة وذكريات متناقضة وأسئلة لا تنتهي، ثمّ يبحث بينها عن نغمة واحدة يستطيع أن يسمّيها حياته.