بقلم: أمل الصامت
في قلب تونس العاصمة، حيث تتقاطع ملفات المخدرات والجريمة العابرة للحدود مع أسئلة الإدمان والعنف وإعادة الإدماج، لا يتحدث الدكتور إلياس كسّال عن الوقاية باعتبارها شعارا يُرفع في الحملات، ولا عن الشباب باعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى الحماية.
بالنسبة إليه، الوقاية علم، والشباب جزء من الحلّ، والسجين ليس اختزالا لجريمة ارتكبها، والمرأة التي تكافح الإدمان ليست “حالة” تُعالج ثم تُنسى.
من مكتبه في تونس، حيث يتولى منذ سنة 2023، مسؤولية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يحاول الطبيب الجزائري أن يترجم هذه الأفكار إلى مشاريع ومقاربات تتقاطع فيها الصحة مع العدالة، والعلم مع العمل الميداني، والوقاية مع الكرامة الإنسانية.
وربما هذا هو السبب الذي جعل سيرته المهنية غير منفصلة عن قناعاته الشخصية. فالرجل الذي اختار الطب الوقائي، بدلا من البحث عن تخصص قد يكون أكثر إغراء، يبدو وكأنه اختار منذ البداية الاشتغال على السؤال الأصعب: “كيف نمنع الألم قبل أن يصبح مرضا، ونمنع السلوك الخطِر قبل أن يتحول إلى جريمة؟”
من وهران.. حيث بدأ كل شيء
لعلّ الحكاية بدأت من وهران، المدينة الجزائرية التي يصفها كسّال بـ”الباهية”، والتي فتحت عينيه على عالم لا يشبه لونا واحدا ولا ثقافة واحدة.
هناك، بين مدرّجات كلية الطب وأروقة المستشفيات، بدأ يتشكل اهتمامه بالإنسان قبل المرض.
لم يكن يكتفي بما تفرضه الدراسة من كتب ومحاضرات وتدريب سريري. بل كان يبحث عن مساحات أخرى يفهم من خلالها الإنسان ومشاكله الصحية والاجتماعية.
وكان انضمامه إلى الجمعية الجزائرية للوقاية من السيدا “حق الوقاية” محطة فارقة في هذا المسار. فالنشاط داخل المجتمع المدني والعمل التطوعي جعله يكتشف أن مواجهة المرض لا تبدأ دائما داخل المستشفى، وأن الوقاية تحتاج إلى الاقتراب من الناس، وفهم واقعهم، والتواصل معهم، والعمل على تغيير السلوكيات والممارسات التي قد تعرضهم للخطر.
تلك التجربة لم تكن مجرد نشاط عابر خلال سنوات الدراسة، بل كانت من الحوافز التي دفعته إلى اختيار الطب الوقائي. فقد بدأ يرى في هذا الاختصاص مساحة تلتقي فيها المعرفة الطبية بالعمل المجتمعي، ويصبح فيها الطبيب شريكا في بناء مجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه، لا مجرد شخص يتدخل بعد ظهور المرض.
وظل هذا الارتباط بالمجتمع المدني حاضرا في مساره المهني، حتى بعد تخرجه من كلية الطب. فقد قادته تجربته إلى العمل منسقا لمنظمة أطباء العالم، وهي محطة يصفها ضمنيا باعتبارها مرحلة ملهمة في حياته المهنية والإنسانية، لأنها قربته أكثر من الميدان ومن الفئات التي تعيش أوضاعا هشة، وجعلته يختبر عن قرب معنى أن تتحول المعرفة الطبية إلى فعل إنساني.
ومن الميدان إلى العمل الدولي، واصل كسّال بناء مساره في المجال نفسه. فالتحق بمكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” في الجزائر، حيث تولى مسؤولية مشاريع في مجال الصحة وتنمية الطفولة المبكرة.
وهكذا، لم يكن انتقاله من الطب إلى العمل الإنساني ثم إلى المنظمات الدولية قفزة مفاجئة، بل مسارا بدأ مبكرا من سؤال واحد: “كيف يمكن أن نحمي الإنسان قبل أن يصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى العلاج؟”
من وهران إلى العمل الميداني، ومن المجتمع المدني إلى المنظمات الدولية، ظل الخيط نفسه يرافقه: “الوقاية ليست إجراء طبيا فقط، وإنما ثقافة وممارسة ومسؤولية جماعية”.
ولعل هذا ما يفسر اختياره للطب الوقائي منذ البداية. اختيار قد يبدو، للوهلة الأولى، بعيدا عن بريق بعض التخصصات الطبية الأخرى، لكنه بالنسبة إلى كسّال كان استثمارا في الإنسان نفسه.. في صحته، وفي محيطه، وفي قدرته على تجنب المرض قبل أن يصبح جزءا من حياته.
هو لم يخرج من الطب إلى العمل الإنساني، بل حمل الطب معه إلى العمل الإنساني.
من مهمة لسنة.. إلى مسار في تونس
عندما وصل إلياس كسال إلى تونس سنة 2021، لم يكن يتخيل على الأرجح أن البلاد ستصبح محطة أساسية في مساره المهني والإنساني.
جاء في مهمة محددة، ضمن مشروع للعلاج المعرفي السلوكي في السجون التونسية، وكان يفترض أن تستمر مهمته سنة واحدة، أو سنتين على أقصى تقدير. كانت الخطة واضحة: إدارة المشروع، مرافقة الفرق التونسية، والمساهمة في إرساء مقاربة جديدة في التعامل مع السجناء، ثم العودة إلى مسار مهني آخر.
لكن تونس كان لها رأي آخر. فمع مرور الوقت، لم تعد مهمته مقتصرة على المشروع الذي جاء من أجله. اتسعت دائرة العمل، وتعمقت علاقته بالشركاء التونسيين، وأصبح أكثر انخراطا في ملفات المكتب ومشاريعه.
وبينما كان في البداية قادما لتنفيذ مهمة محددة، وجد نفسه لاحقا يتولى رئاسة مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في تونس بالنيابة، قبل أن يتم تنصيبه رئيسا للمكتب، لتتحول المهمة المؤقتة إلى مسار مهني امتد لسنوات.
هذه المفارقة تختصر، بطريقة ما، علاقته بتونس، فهو لم يأت إليها بحثا عن إقامة طويلة، لكنه وجد فيها مساحة للعمل وبناء المشاريع والشراكة، حتى أنه لم يعرف معنى الغربة، على حد تعبيره.
وربما كان مشروع العلاج المعرفي السلوكي هو البوابة الأولى التي دخل منها إلى هذا المسار. فالمشروع الذي جاء من أجله كان في الأصل تجربة تقنية، لكنه سرعان ما تحول إلى فرصة للتعرف على منظومة السجون التونسية، وعلى الكفاءات العاملة فيها، وعلى تحديات إعادة التأهيل، وعلى الحاجة إلى مقاربات تتجاوز العقوبة نحو الوقاية وإعادة الإدماج.
ومن هنا بدأت تتشكل تجربته التونسية على نحو أوسع.. من مشروع محدد في السجون إلى رؤية تتقاطع فيها الوقاية من المخدرات مع الصحة النفسية، وحماية الطفولة، وتمكين الشباب، ودعم النساء، وبناء قدرات المؤسسات والشركاء المحليين.
لقد جاء إلى تونس بعقد زمني واضح، لكنه بقي لأن المشروع لم يعد بالنسبة إليه مجرد مهمة مهنية. فأحيانا تأتي إلى بلد لتنفيذ مشروع، فتجد نفسك جزءا من حكايته.
ومنذ وصوله، يبدو أن إحدى الأفكار التي يكررها في عمله هي أن الحلول لا تستورد جاهزة. هو يصر على أن تكون للمشاريع الأممية “أياد تونسية”، وأن تكون الكفاءات المحلية جزءا من تصميم الحلول وتنفيذها، لا مجرد منفذين لمشاريع صيغت في مكان آخر.
بالنسبة إليه، الشريك التونسي ليس مجرد طرف في مشروع، وإنما صاحب معرفة بالسياق الاجتماعي والثقافي، وبالتحديات التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام.
وهنا تتجاوز الوقاية مفهومها الصحي الضيق. فلا يمكن، في نظره، أن نتحدث عن المخدرات أو العنف أو الجريمة بمعزل عن المدرسة والأسرة والمجتمع والصحة النفسية والفرص الاقتصادية والاجتماعية. لذلك، قبل أن يقترح الحل، يريد أن يستمع. الاستماع للشريك التونسي بالنسبة إليه ليس مجاملة دبلوماسية، بل جزء من الحل نفسه.
هل يمكن مكافحة الجريمة بتغيير طريقة التفكير؟
ربما كانت تجربة العلاج المعرفي السلوكي في السجون من أكثر التجارب التي تختصر طريقة تفكير كسّال.
الفكرة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في نتائجها: “إذا كان السلوك الإجرامي مرتبطا، في بعض الحالات، بأنماط معينة من التفكير، فلماذا لا نشتغل على التفكير نفسه؟”
العلاج المعرفي السلوكي لا يعني بالنسبة إليه مجرد جلسات كلامية أو نصائح يقدمها مختص للسجين، وإنما تمارين تساعد على تفكيك الأفكار والسلوكيات وإعادة النظر فيها.
يشرح كسّال الفكرة ببساطة باعتبارها نوعا من “تمارين العقل” تتطلب العمل على السلوك، ولكن أيضا على المعرفة والأفكار التي تقف خلف ذلك السلوك.
وفي السجون، يصبح هذا التحول بالغ الأهمية. فالسجين لا يُعامل فقط باعتباره شخصا ارتكب جريمة ويجب أن يقضي عقوبته، بل باعتباره إنسانا يمكن أن يخضع لمسار يعيد بناء قدرته على التفكير واتخاذ القرار والتفاعل مع الآخرين.
والتجربة لم تتوقف عند السجناء. فأعوان السجون هم الآخرون وجدوا أنفسهم أمام لغة جديدة للتعامل مع الحالات الصعبة، بما يفتح الباب أمام تغيير العلاقة بين السجين ومنظومة السجن.
وهنا تصبح الوقاية ممتدة إلى ما بعد الجريمة، بحيث تمنع تكرارها وتمنح الإنسان فرصة لإعادة بناء نفسه.
الشباب ليسوا مشكلة يجب إصلاحها
في حديثه عن الشباب، يرفض كسّال منطق التخويف الذي طالما طبع حملات الوقاية من المخدرات والتدخين وغيرها من السلوكيات الخطرة. صور مخيفة، رسائل تحذيرية، وخطاب يقول للشاب باستمرار: “لا تفعل”.
لكن ماذا لو كان السؤال مختلفا؟ ماذا لو قلنا للشاب: أنت قادر على التأثير في غيرك؟ هنا تأتي فكرة الوقاية عبر الأقران.
بدل أن يتحدث الطبيب أو الأستاذ أو المسؤول إلى الشباب من موقع السلطة، يمكن لشاب أن يخاطب شابا آخر بلغة أقرب إليه، وبخبرة يفهمها، ومن داخل البيئة نفسها التي يعيش فيها. ويتحول الشاب بذلك من “هدف للوقاية” إلى فاعل في الوقاية.
وهذه الفكرة ليست مجرد نظرية بالنسبة إلى كسّال، وإنما تدخل ضمن مقاربات تطبق ميدانيا، ومنها ما يرتبط بمراكز إعادة التأهيل مثل “جبل الوسط”، حيث تصبح الفنون والدراما، ومن بينها الـ”Psychodrame”، أدوات للتعبير وإعادة بناء العلاقة بالذات وبالآخر.
في هذه المقاربة، لا يطلب من الشاب أن يستمع فقط. بل يُمنح فرصة للكلام، والتمثيل، والتعبير، وفهم ما حدث له، وما يمكن أن يحدث بعد ذلك.
“تانيت”… حين تصبح الكرامة جزءا من العلاج
وفي مستشفى الرازي، يحمل مركز “تانيت” جانبا آخر من فلسفة كسّال. فالنساء اللواتي يعانين من الإدمان يحتجن، في كثير من الأحيان، إلى أكثر من العلاج الطبي. إنهن يحتجن إلى مكان لا ينظر إليهن من خلال وصمة الإدمان، وإلى مساحة تحفظ خصوصيتهن وكرامتهن، وإلى فرصة لإعادة بناء حياتهن.
لهذا يمثل المركز بالنسبة إلى كسّال أكثر من مشروع صحي. إنه مساحة آمنة مخصصة للنساء، تجمع بين العلاج والتأهيل والتكوين المهني، من الحلاقة إلى إعداد الحلويات وغيرها من المهارات التي يمكن أن تساعد المرأة على استعادة استقلاليتها.
لكن أكثر ما يكشف البعد الإنساني في التجربة هو التعامل مع الأمهات وأطفالهن. فالسماح للأم باصطحاب طفلها لا يتعلق فقط بتسهيل حصولها على العلاج، وإنما بفهم أن حياة الطفل لا يمكن فصلها عن وضع والدته.
ومن هنا يعود كسّال إلى مفهوم الأيام الألف الأولى من حياة الطفل، باعتبارها مرحلة شديدة الأهمية في تشكيل مستقبله.
الوقاية، إذن، لا تبدأ عندما يصل الطفل إلى سن المراهقة، ولا عندما يقترب من المخدرات أو العنف. قد تبدأ منذ الأشهر الأولى من حياته، بل ومذ يخلق جنينا في بطن أمه، حسب قول الدكتور إلياس كسّال.
من مكافحة الجريمة إلى صناعة الفرصة الثانية
في كل هذه التجارب، تبدو فكرة واحدة حاضرة: “لا يمكن بناء مجتمع أكثر أمانا بالردع وحده”. السجن وحده لا يكفي. العلاج وحده لا يكفي. الحملات التوعوية وحدها لا تكفي. والأرقام وحدها لا تكفي.
ما يحتاجه الإنسان هو منظومة تمنحه فرصة للفهم، ثم فرصة للتغيير، ثم فرصة للاندماج.
وهذا ربما ما يجعل تجربة كسّال مختلفة، فهو يحاول نقل مفهوم الوقاية من كونه مجموعة إجراءات تقنية إلى كونه سياسة إنسانية متكاملة. الشاب يحتاج إلى أن يُسمع. السجين يحتاج إلى فرصة ثانية. المرأة التي تعاني من الإدمان تحتاج إلى العلاج دون وصمة. والطفل يحتاج إلى بيئة آمنة قبل أن تبدأ المشكلة أصلا.
رجل الطب الذي يتحدث بلغة المجتمع
ربما تكمن فرادة إلياس كسّال في قدرته على الانتقال بين عالمين. فهو طبيب يعرف لغة العلم، ومسؤول أممي يتعامل مع ملفات دولية معقدة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن المعرفة لا قيمة لها إذا بقيت حبيسة التقارير والمكاتب.
لذلك يحاول تبسيط المفاهيم المعقدة، وتحويلها إلى أدوات يمكن استخدامها في الحياة اليومية. العلاج المعرفي السلوكي يصبح “تمارين للعقل”. والوقاية تتحول من تحذير إلى تمكين. والشباب يتحولون من مستهدفين بالحماية إلى شركاء فيها. والفن يصبح أداة لإعادة التأهيل. والمرأة تصبح إنسانة قبل أن تكون “حالة إدمان”.
هكذا يمكن فهم لقب “مروّض العلم” ليس لأنه يخفف من صرامة العلم، وإنما لأنه يحاول إخراجه من لغته المغلقة، وجعله مفهوما وقابلا للاستخدام من قبل الناس.
ماذا بعد؟
اليوم، بينما تتجه مشاريع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في تونس إلى مجالات جديدة، من بينها الوقاية المدرسية ومقاربات تتقاطع مع البيئة، يظل السؤال بالنسبة إلى كسّال هو نفسه تقريبا: كيف نصل إلى المشكلة قبل أن تصبح أزمة؟ في المدرسة. في الأسرة. في الحي. في السجن. في مركز العلاج. وفي كل مكان يمكن أن تبدأ فيه قصة إنسان.
لا يبدو إلياس كسّال من النوع الذي يبحث عن بطولة فردية. ففي حديثه عن المشاريع، يعود باستمرار إلى الفريق، إلى الشريك المحلي، إلى الكفاءات التونسية، إلى الشباب، وإلى ضرورة بناء الحلول معهم.
ربما لأن الطبيب الذي اختار الطب الوقائي تعلّم منذ البداية أن أفضل نجاح للوقاية هو استبعاد المشكلة قبل أن تحدث أصلا.
لهذا لا يبدو “مهندس الأمل” لقبا بعيدا عن مساره. فهو لا يعد الناس بعالم خال من المخدرات أو الجريمة أو العنف، ولا يقدم وصفات سحرية. إنما يحاول، خطوة بعد أخرى، أن يبني حول الإنسان ما يكفي من المعرفة والدعم والكرامة والفرص حتى لا يصبح السقوط قدرا محتوما.
وفي النهاية، قد تكون هذه هي فلسفة إلياس كسّال بأبسط صورة: “أن نخاطب العقل بالعلم، والقلب بالإنسانية، ونترك للإنسان فرصة أن يختار مستقبلا مختلفا”.