في التاسع من أفريل من كل سنة، تستحضر تونس واحدة من أبرز المحطات في تاريخها الوطني، ذكرى عيد الشهداء، التي تخلّد تضحيات أبناء الوطن الذين سقطوا دفاعا عن الحرية والكرامة. وفي الذكرى الثامنة والثمانين لأحداث 9 أفريل 1938، تتجدد معاني النضال في الذاكرة الجماعية، ويستعيد التونسيون صفحة مضيئة من تاريخ كفاحهم ضد الاستعمار الفرنسي.
تعود أحداث 9 أفريل 1938 إلى سياق سياسي واجتماعي متوتر شهدته البلاد خلال ثلاثينات القرن الماضي، حيث تأثرت تونس بالأزمة الاقتصادية العالمية، ما عمّق الأوضاع المعيشية الصعبة. وزاد من احتقان الشارع آنذاك تنظيم المؤتمر الأفخارستي بقرطاج، إضافة إلى أزمة التجنيس التي فجّرت موجة غضب شعبي بعد رفض الأهالي دفن المجنسين بالجنسية الفرنسية في المقابر الإسلامية. في خضم هذه التحولات، برز جيل جديد من النخب السياسية، من بينهم الحبيب بورقيبة، الذين سعوا إلى تجديد الخطاب الوطني والدفع نحو إصلاحات سياسية جذرية.
وقد أدى انشقاق هؤلاء عن الحزب الحر الدستوري القديم إلى تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد سنة 1934، وهو ما ساهم في توسيع رقعة النضال الوطني واستقطاب فئات جديدة من الشعب. غير أن نشاط هذا الحزب لم يرق للسلطات الاستعمارية، فتمّ قمع قياداته ونفيهم، قبل أن تتصاعد وتيرة الاحتجاجات مجددًا مع نهاية سنة 1937 وبداية سنة 1938.
وفي مارس 1938، شهدت البلاد موجة من المظاهرات، سقط خلالها عدد من الشهداء، من أبرزها أحداث المتلوي يوم 8 مارس التي راح ضحيتها 19 عاملا إثر إطلاق النار عليهم من قبل الشرطة الفرنسية. كما تواصلت الاعتقالات في صفوف القيادات الوطنية، ما زاد من تأجيج الغضب الشعبي.
ومع مطلع أفريل من نفس السنة، بلغت الاحتجاجات ذروتها. فقد تم طرد علي البلهوان من المدرسة الصادقية يوم 2 أفريل، لتندلع إثر ذلك تحركات طلابية واسعة شملت تلاميذ الصادقية وطلبة جامع الزيتونة، في مشهد يعكس انخراط الشباب في معركة التحرر الوطني. وتواصلت الاعتقالات يومي 4 و6 أفريل، لتشمل عددًا من القيادات، من بينهم صالح بن يوسف والهادي نويرة.
في 8 أفريل 1938، خرج التونسيون بمختلف فئاتهم إلى شوارع العاصمة للمطالبة بإحداث برلمان تونسي يمكّن الشعب من ممارسة سيادته. وقد انطلقت مظاهرتان كبيرتان، الأولى من ساحة الحلفاوين بقيادة علي البلهوان، والثانية من رحبة الغنم بقيادة المنجي سليم. وسجلت هذه الأحداث مشاركة لافتة للمرأة التونسية التي خرجت لأول مرة إلى الشارع في عمل نضالي منظم، في خطوة جسّدت وعيها المبكر بدورها في معركة التحرر.
وفي اليوم الموالي، 9 أفريل 1938، تصاعدت الأحداث بعد اعتقال علي البلهوان وتقديمه إلى المحكمة، ما دفع الجماهير إلى الخروج بأعداد غفيرة احتجاجا. وقد واجهت سلطات الاحتلال هذه التحركات بقمع شديد، حيث أعلنت حالة الحصار وأطلقت الرصاص على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، إضافة إلى اعتقال ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، أُحيلوا لاحقا على المحاكم العسكرية.
مثّلت هذه الأحداث نقطة تحوّل حاسمة في مسار الحركة الوطنية التونسية، إذ كشفت عن مدى استعداد الشعب للتضحية في سبيل حقوقه السياسية، كما ساهمت في تعرية سياسات القمع التي انتهجها الاستعمار الفرنسي. وقد مهّدت هذه التضحيات الطريق نحو محطات مفصلية في تاريخ البلاد، أبرزها الاستقلال في 20 مارس 1956، ثم إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957.
إن إحياء ذكرى عيد الشهداء لا يقتصر على استذكار الماضي فحسب، بل هو أيضا مناسبة لتجديد الالتزام بقيم الحرية والعدالة التي ضحّى من أجلها الشهداء. فهؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام في سجل التاريخ، بل كانوا صوت شعب آمن بحقه في تقرير مصيره، ودفع ثمن ذلك من دمائه.
وبين الأمس واليوم، تبقى رسالة 9 أفريل قائمة على أنه لا سيادة دون نضال، ولا كرامة دون تضحيات. إنها ذكرى تُذكّر الأجيال المتعاقبة بأن ما تحقق من مكاسب لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسيرة طويلة من الكفاح والإصرار على بناء وطن حرّ مستقل.
أميمة زرواني