لم تعد السينما، اليوم، تتحرك في عالم منفصل عن التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية. فالصورة التي كانت تحتاج إلى قاعة مظلمة، وشاشة كبيرة، ووقت طويل كي تكتمل علاقتها بالمشاهد، أصبحت تنافس داخل فضاء مفتوح تتزاحم فيه الحكايات، وتُختبر فيه قدرة العمل على جذب الانتباه خلال لحظات قليلة.
من هذا التحول انطلقت جلسة “ماذا تتعلم السينما من المؤثرين؟” ضمن فعاليات مهرجان عمّان السينمائي الدولي، بإدارة لبنى باجسير، وبمشاركة صانعي المحتوى عمر فاروق وعمر رمال، في محاولة لفهم التقاطع بين عالمين لا يبدوان متشابهين للوهلة الأولى، لكنهما يلتقيان في جوهر واحد، وهو صناعة علاقة مع الجمهور عبر الصورة.
لم يكن النقاش حول انتصار المحتوى الرقمي على السينما أو العكس، وإنما حول ما يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر. فالمؤثرون أعادوا تعريف مفهوم الوصول إلى المشاهد، بينما حافظت السينما على قدرتها على بناء العوالم والأحاسيس والذاكرة.
ومن جهته انطلق عمر فاروق من طبيعة العمل في فضاء المحتوى الرقمي، حيث يصبح جذب انتباه المشاهد التحدي الأول. فصانع المحتوى يعيش في مواجهة مستمرة مع احتمالية الملل، لأن المشاهد يمتلك خيارات لا تنتهي، ويمكنه الانتقال من عمل إلى آخر خلال ثوانٍ.
لهذا، فإن بناء البداية، واختيار الإيقاع، وفهم طبيعة الجمهور، كلها عناصر أساسية في صناعة المحتوى. لكن هذه السرعة تفرض أحيانا تنازلات، إذ قد يضطر صانع المحتوى إلى تقديم الحضور والانتشار على حساب بعض التفاصيل الجمالية، لأن اللحظة الرقمية لا تنتظر طويلا.
في المقابل، تختلف السينما في منطقها، إذ لا تكتفي بخطف الانتباه فقط وترتكز على بناء تجربة.
والسينما، كما أوضح فاروق، تعلّم الصبر لأنها فاللقطة يمكن أن تُعاد مرات عديدة، والمشهد يحتاج إلى وقت حتى يصل إلى شكله النهائي.
أما عمر رمال فتحدث من منطقة أكثر تعقيداً، منطقة الشخص الذي يقف بين فضاءين، فهو يحمل تجربة صانع المحتوى، لكنه يقترب في رؤيته وأدواته من الحس السينمائي، وهذا الموقع الوسيط يجعله أمام سؤال الهوية والانتماء.
رمال لا يُرى دائماً كصانع سينما داخل الأوساط السينمائية التقليدية، وفي الوقت نفسه لا يُختزل بسهولة داخل إطار المؤثرين. إنه يتحرك في مساحة بينية، وهي مساحة تعكس تحوّلاً أكبر في صناعة الصورة نفسها، فلم تعد الحدود بين المخرج وصانع المحتوى ثابتة كما كانت، ولم يعد الجمهور يستهلك الصورة وفق تصنيفات واضحة.
هذه المنطقة الرمادية ليست ضعفا، فصانع المحتوى الذي يدخل عالم السينما يحمل معه معرفة مباشرة بإيقاع الجمهور وبطريقة تلقيه، بينما تمنحه السينما أدوات أعمق لفهم السرد وبناء المعنى، وبين التجربتين تتشكل لغة جديدة تبحث عن شكلها الخاص.
بين سرعة الخوارزمية وذاكرة السينما
تكشف تجربة عمر فاروق وعمر رمال أن اختلافات أساسيا راهنا بين السينما والمحتوى الرقمي يتمثل في مفهوم الزمن.
فالمحتوى الرقمي يعيش في زمن اللحظة؛ يحتاج إلى سرعة الاستجابة، وإلى قراءة مستمرة لما يريده الجمهور.
أما السينما فتعمل في زمن مختلف، زمن التراكم والبحث والانتظار، والأثر، ومع ذلك لا تستطيع السينما تجاهل بعض الدروس التي يقدمها المؤثرون.
والمؤكد، أن العلاقة بين السينما والمؤثرين ليست علاقة منافسة بقدر ما هي حوار بين زمنين للصورة، زمن يراهن على سرعة الوصول، وزمن يراهن على قوة الأثر.
وبينهما تتشكل ملامح مستقبل بصري جديد، حيث لا تلغي المنصات الرقمية السينما، ولا تستطيع السينما أن تعيش بعيداً عن التحولات التي غيرت طريقة مشاهدة العالم.