الدولة التونسية ماضية في إيجاد حلول لمنظومة الضمان الاجتماعي وبخاصة مسألتي التقاعد والتأمين على المرض اللتين تعيقان واقع البلاد ويؤرقان المواطن. ويحتم الواقع إصلاحهما بالنظر إلى التهديدات التي يمثلانها.
لعله من ضمن أهم الملفات التي يمنحها التونسي اليوم أولوية قصوى لما لها من تأثير على سلامته الجسدية وضمان حياته وبخاصة عند كبار السن. الأمر يتعلق بالطبع بإصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية التي أعلنت الحكومة أياما قبل عودة سبتمبر 2026 (وبالتحديد يوم 18 أوت 2026) عن الشروع فيها. والتي تتمثل حسب البلاغ الصادر عن رئاسة الحكومة في “إعداد النصوص المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية لمنظومة الضمان الاجتماعي”. أي بالأساس مسألتين أساسيتين وهما منظومة التقاعد والتغطية الاجتماعية التي تعني “نظام الحماية الوقائي الذي توفره الدولة لحماية الأفراد وعائلاتهم من المخاطر الحياتية والمالية مثل المرض والعجز وحوادث الشغل وغيرها مما يمكن أن يطرأ على العاملين أثناء مباشرة عملهم”.
موضوع معقد يعود في جانب كبير إلى التحولات التي عرفتها سوق الشغل في تونس وكذلك التغيرات التي طرأت على حياة التونسي والذي لا يمكن كما تشير الدوائر الرسمية إلا أن يتم معالجته إلا على مراحل خاصة وأن الدولة ترغب في القيام بهذا الإصلاح من خلال ما سمي “مقاربة وطنية شاملة ومتكاملة تقطع مع الحلول الظرفية أو الجزئية وتكرس مبدأ العدالة الاجتماعية والإنصاف”. وهو عمل يتطلب بالطبع جهدا كبيرا وكثيرا من الوقت بالرغم من أن الدوائر الرسمية انكبت منذ مدة على وضع التصورات اللازمة لتجاوز واقع لم يعرف –على الأقل بما يكفي- الإصلاحات اللازمة في إبانها مما عقد المسألة.
هذا ويبقى موضوع أنظمة التقاعد من أصعب الملفات على ما يبدو خاصة وأن التوجه قد يذهب في اتجاه اعتماد نظام واحد أي إنهاء واقع يتميز بوجود منظومتين مختلفتين. تخص الأولى -ودون الدخول في الجزئيات- القطاع العام والثانية الخاص. وهو أمر يثير أحيانا عددا من التساؤلات لاعتبار البعض أن نظام القطاع العام يتضمن أفضلية بالنسبة إلى المتقاعدين. هذا فضلا عن طريقة احتساب جرايات التقاعد وما تحدثه أحيانا طريقة الاحتساب من إخلالات. وذلك في ظل واقع يقول إن بعض الساهرين على بعض مؤسسات القطاع الخاص يقومون بتجاوزات لا يسمح بها بالطبع القانون مثل عدم القيام بانخراط العاملين في منظومة الضمان الاجتماعي.
وضع ما انفك يتفاقم
وتبقى مسألة الحرص على التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية من أصعب المسائل التي تسعى الدوائر الرسمية إلى إيجاد حلول لها. ويعود العجز الذي تعرفه هذه الصناديق بالأساس إلى مسألتين اثنتين تتمثل الأولى في عدم سداد بعض المؤسسات بما فيها مؤسسات عمومية للمبالغ التي هي مطالبة بدفعها لفائدة الصناديق الاجتماعية. وتشير بعض المعطيات إلى أن العجز الذي تعرفه الصناديق ما انفك يتفاقم. فعجز الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية مثلا وهو الذي يخص متقاعدي القطاع العام أتى في حدود 708 مليون دينار سنة 2024 ولعله قد تجاوز مليار دينار سنة 2025.
أما الثانية فتعود إلى الإخلال فيما يتعلق بعدد المتقاعدين والذين يتمتعون إذن بجراية مقارنة بعدد المشتغلين الذين يدفعون الجراية التي سيتحصلون عليها عندما يبلغون سن التقاعد. وهو مؤشر يحمل دلالة كبيرة. ففي حين كان عدد المشتغلين (في سن العمل) لكل متقاعد واحد 4,7 سنة 1960 في بلادنا أصبح 1,8 مقابل لكل متقاعد واحد. وتقول بعض التوقعات أننا قد نجد أنفسنا أمام 1,4 مقابل متقاعد واحد سنة 2070. علما أن النسبة الآمنة في هذا المجال تأتي في حدود 4 إلى 5 ناشطين. وهو واقع هيكلي خانق.
وهو أمر يحير في الحقيقة أكثر من دولة وليس إذن أمرا يخص تونس فقط. وأمام هذا التطور الخطير أو هكذا يعتبر من قبل المختصين فلا بد من استنباط حلول تبعدنا عن انهيار نظام التقاعد. ومن بينها وهو ما انفكت تذهب إليه الدول هو تأخير سن الخروج للتقاعد. وهو سن وصل إلى 67 سنة في بعض البلدان مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وحتى أكثر من ذلك: يشاع أن في الدنمارك يتجه سن التقاعد للارتفاع ليصل إلى 70 عاماً.
تأخير سن التقاعد؟
غير أن هذا التأخير قد لا يمثل الحل الوحيد. كما يعتبره البعض خطرا إذ أنه لا يمكن جانبا من الشباب إلى ولوج سوق الشغل. ويعتبر تمتيع القطاع الموازي بمنظومة الضمان الاجتماعي حلا جديا ومتنفسا للصناديق الاجتماعية. وهو الحل الذي يتم الحديث عنه منذ سنوات في بلادنا. علما أن القطاع الموازي لا يمثله فقط وبالخصوص العاملين في التجارة الموازية مثل من تطلق عليهم كلمة “النصابة” والعملة الفلاحيون بل عدة “ورشات” تعمل في الصناعة بمختلف أطيافها ومهن حرة ليس لها عادة مقرات رسمية. علما أن عدد الناشطين في هذا القطاع قد يصل إلى 1,6 مليون شخص.
ولعل ما يمكن القول إن ما يزيد الطين بلة هو الهجرة التي تعرفها بلادنا منذ سنوات وبخاصة من قبل حاملي الشهادات العليا. وتفيد المعطيات في هذا الصدد أن عدد هؤلاء وصل إلى 100 ألف وتفيد كذلك المعطيات أن “نسبة تتراوح بين 15% و20% من الخريجين الجدد يهاجرون سنوياً فور إنهاء دراستهم”. وهي هجرة تؤثر بالطبع على موارد الصناديق الاجتماعية.
زد على ذلك التهديد إن صح القول الذي يمثله المنعطف الخطير المتعلق بمعدل الخصوبة المحدد بـ”1.54 طفل لكل امرأة ليستقر بذلك وبشكل واضح دون عتبة تجديد الأجيال (2.1 طفل لكل امرأة)”.
ومن المنطقي جدا أن تقوم الدولة في سعيها إلى إصلاح منظومة التأمين على المرض في مزيد العناية بواقع المستشفيات العمومية وبخاصة بقدرتها على أداء عملها أي العناية بالوافدين عليها ومن هذه الزاوية تحسين ظروف استقبالها وتوفير تجهيزات أفضل إلى جانب اشتغالها كامل اليوم وتوفير الدواء في حالات أحسن. وذلك لتحسين من واقع موارد المواطن الذي كثيرا ما يشتكي من كلفة المصحات الخاصة التي لا تراعي دخله.
التحسين من التوازنات
إن نجاح الدولة في إيجاد حل للقطاع الموازي قادر على أن يحسن من توازنات كل الصناديق الاجتماعية بما فيها الصندوق الوطني للتأمين على المرض إذ إن صناديق الضمان الاجتماعية تدفع مبالغ إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض من خلال ما تتحصل عليه من موارد من قبل العاملين والشغالين المنخرطين في هذه الصناديق. هذا ومن المعروف أن صندوق التأمين على المرض يشكو عجزا بسبب عدم سداد صناديق الضمان الاجتماعي للمبالغ التي يتوجب إذن دفعها لهذا الصندوق.
هذا وتُقدّر المتأخرات من المساهمات التي لم يتم تحويلها من قِبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمليارات الدنانير” حيث تتراوح التقديرات الأخيرة بين 4 و9 مليارات دينار إجماليًا”.
ومن المفروض أن يكتمل الإصلاح بإحداث صندوق خاص لتوفير قروض ميسرة لفائدة من يرغب في السكن وإذن العمل على توفير أراض صالحة للبناء من المدخرات العقارية للدولة. وهو أمر نجحت فيه الدولة في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
محمد قنطارة