احتضن فضاء مسرح كورتينا بالقلعة الكبرى الذي يديره المخرج محمد علي سعيد صباح الأحد 19 أفريل لقاءا تفاعليا حول مسرحية “جنون” وذلك بحضور المخرج الفاضل الجعايبي. ويندرج هذا اللقاء الذي شهد أيضا حضورا فعالا من قبل المندوب الجهوي للثقافة بسوسة، جليلة العجبوني، ضمن تظاهرة مسرح مائة كرسي في دورته الثامنة التي تناولت موضوع المسرح والطب النفسي : تقاطعات بين التعبير الفني والتدخل العلاجي.
شكل هذا اللقاء الذي كان مناسبة هامة لاستكشاف ارضيات التعاون وربما التماهي بين الفن والعلاج، فرصة للحاضرين من أساتذة مسرح وطلبة وباحثين في علم النفس ومهتمين بالمسرح لتطارح هذه الأرضيات ومساءلة الأدوار التي يلعبها الفن المسرحي خصوصا في مثل هذه الوضعيات من خلال مسرحية “جنون”.
المسرح والتطهير الذاتي
وعن خلفية تناول هذا الموضوع بالذات ومن ثم ظروف نشاة هذه المسرحية التي لاقت نجاحا منقطع النظير وجابت أرجاء العالم من اليابان إلى الأرجنتين مرورا بأوروبا، أشار الجعايبي الى أن الموضوع الذي اقترحته ناجية الزمني، وهي أخصائية نفسية، صديقة للعائلة، كان ملهما ومثيرا. حيث كانت الشخصية الرئيسية مصابة بحالة فصام وهو عنوان الكتاب الذي ألّفته الزمني، “يوميات خطاب فصامي”، وحولته جليلة بكار إلى نص مسرحي نجح عند عرضه في قالب مسرحي في أن يصبح “علامة فارقة في تاريخ المسرح التونسي، حيث نجح في الانتقال من المحلية إلى العالمية وعُرض في محافل دولية كبرى ليثبت أن المسرح الصادق هو الذي يغوص في التفاصيل الدقيقة للألم الإنساني ليحوله إلى لغة عالمية يفهمها الجميع” حسب قول زميلنا محمد علي الصغير، رئيس تحرير مساعد بمجلة Réalités الذي أدار هذا اللقاء.
واعتبر الجعايبي أن المقاربة “الفريدة” التي تناولتها ناجية الزمني وسعى الى تكريسها داخل مسرحية “جنون” هي “إعادة الاعتبار للإنسان قبل أن يكون مريضا أو مصابا من خلال اتباع بعد إنساني”. وكشف الجعايبي أن المريض، موضوع العمل، كان قد واكب العرض “وهذا مهم في العلاج لأن المسرح يخلق نوعا من التطهير الذاتي catharsis”.
من جانب آخر اعتبر الجعايبي أن ظاهرة الفصام هي ظاهرة “منتشرة وتمس الجميع تقريبا” غير أن تناول هذه الحالات “داخل الأطر الضيقة” مثل المستشفى من شأنه أن يعمّق من خطورة الحالة ويجعل معالجتها أكثر صعوبة وهو ما عملت الزمني على تأكيده. وهنا يرى الجعايبي أن “الأطر الطبية الصرفة والأدوية غير قادرة لوحدها على المعالجة بل وجب النظر إليه بانسانية ومصالحة المريض مع ذاته من خلال منحه الفرصة للحديث والتعبير واسترجاع الكلمة التي سُلِبت منه”.
في حدود الحرية الفردية وسطوة السلطة الأبوية
وعن تحويل هذا “الملف الصحي الانساني” الى عمل مسرحي ذي أبعاد ركحية وشعرية، اعتبر الجعايبي أن الأمر لم يكن من السهولة بمكان. حيث تكررت اللقاءات مع ناجية الزمني التي “اختصرت في 300 صفحة فترة متابعة دامت 15 سنة ما عاشته الشخصية من حالة فصام في علاقته مع المؤسسة الاستشفائية ومع العائلة ومع ذاته ومعها” خصوصا في “ظل العنف الراديكالي الذي سلطه عليه الأب” وهو ما ولّد هذه الحالة العدائية لديه ورغبته في الثورة على سلطة الأب ولكن أيضا على “عجز الأم” الخانعة والعاجزة. وفي هذا السياق أشار محمد علي الصغير خلال تقديمه ورقة نقدية لمسرحية “جنون” أن هذا العمل ” طرح تساؤلات حارقة حول حدود الحرية الفردية وسطوة السلطة الأبوية التي هي في النهاية نموذج مصغر لسطوة “النظام/السلطة” معتبراً أن الجنون في كثير من الأحيان ليس إلا رد فعل طبيعي على واقع غير منطقي يتسم بالتهميش وغياب آفاق التواصل”.
وعن مدى وفاء الجعايبي وجليلة بكار للنص الأصلي لناجية الزمني، أشار الجعايبي الى أن الزمني واكبت اكثر من مرة العروض التي فاق عددها 170 عرضا منها 10 عروض بمهرجان أفينيون (Festival d’Avignon) ولم تعبّر ولو مرة واحدة عن عدم رضاها عن النص المقدم مسرحيا.
المصالحة مع “الأنا الجريحة والمحطّمة”
كما شهد هذا اللقاء مع المخرج الفاضل الجعايبي مشاركة الدكتور عبد الباسط التواتي طبيب مختص في علاج الإدمان حيث شارك تجربته الخاصة كطبيب مع بعض الحالات من خلال اعتماد المقاربة ذاتها تقريبا والقائمة أساسا على الابتعاد عن الفضاء العلاجي ومساعدة المريض على الخروج من عزلته عبر منحه الفرصة لـ “تقدير ذاته” ومعالجة “الأنا الجريحة وأحيانا المحطّمة”. ولفت التواتي، الذي أشرف يوم أمس على ورشة مهارات الفن وقاية وعلاج السلوكيات المحفوفة بالمخاطر لدى حاملي الإعاقة وطيف التوحد ضمن الملتقى العلمي التكويني الرابع لتنمية قدرات الأطفال حاملي الإعاقة بتنسيق من الدكتور زهير بن تردايت، الى أن هذه المقاربة تساهم في تمكين المريض من التفاعل الإيجابي والتعبير عن ذاته أما من خلال الرسم والفن التشكيلي او من خلال المسرح.
وفي ختام هذا اللقاء التفاعلي الذي سبقه عرض شريط “تكلم”، وثائقي يقدم كواليس إعداد مسرحية “جنون”، عبّر المشاركون عن رغبتهم في مشاهدة آخر أعمال الفاضل الجعايبي وجليلة بكار “حلم” على خشبات المسرح البلدي بسوسة. وهي رغبة تعهدت جليلة العجبوني بالسعي إلى تحقيقها لما لهذا العمل الجديد من قيمة ابداعية تضاف إلى السجل الحافل بالنجاحات التي حققها الفاضل الجعايبي.