العود، آلة موسيقية تستعيد أصداء الماضي، وتمثل مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع التجريب، وتتجاور داخلها تقاليد التلحين مع إمكانات التعبير الموسيقي المعاصر.
وظلّ العود أحد أبرز مكوّنات الهوية الموسيقية العربية، لكنه لم يكن يومًا آلة جامدة خارج حركة الزمن، إذ ظلّت لغته تتطوّر بتطوّر العازفين ومشاريعهم الفنية، وبقدرتهم على إعادة مساءلة العلاقة بين الموروث والحاضر.
من هذا المنطلق، تكتسب الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للعود، التي ينظّمها النادي الثقافي الطاهر الحداد بالمدينة العتيقة بتونس من 16 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أهمية تتجاوز تقديم عروض موسيقية تحتفي بآلة بعينها.
فالبرنامج الذي يجمع بين مسابقة وطنية للعزف على العود، وورشة متخصصة في خصوصيات العود التونسي، وعرض يجمع عازفين تونسيين، وصولًا إلى عرض اختتام يحييه الثلاثي جبران في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، يفتح المجال أمام التفكير في موقع هذه الآلة داخل المشهد الموسيقي الراهن، وفي السبل الكفيلة بضمان استمرارية حضورها وتجدّد لغتها.
من صون التراث إلى تجديده
تطرح المهرجانات المتخصصة في الآلات الموسيقية سؤالًا يتجاوز الاحتفاء بالموروث إلى كيفية التعامل معه. فالمحافظة على آلة مثل العود لا تتحقق باستحضار ألحانها التقليدية أو إعادة إنتاج القوالب الموسيقية التي ارتبطت بها، وإنما تقتضي أيضًا توفير شروط انتقالها بين الأجيال، وإتاحة المجال أمام العازفين لتطوير تقنياتهم وتوسيع إمكانات التعبير التي تتيحها.
وتبدو المسابقة الوطنية للعزف على العود، المخصّصة للعازفين التونسيين الذين لم تتجاوز أعمارهم 35 سنة إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في هذا المسار. فهي تضع المواهب الشابة في صلب التظاهرة، وتمنحها فرصة لإبراز قدراتها الفنية في مجال يرتبط فيه التميّز بمهارات تقنية دقيقة، وبحسّ موسيقي يسمح للعازف بتجاوز الأداء الحرفي نحو بناء شخصيته الخاصة.
وتكتسب الجوائز المالية المرصودة للمسابقة، أهمية في تشجيع المشاركين، غير أن الرهان الأوسع يظلّ في توفير مسارات مهنية وتكوينية متواصلة أمام هذه المواهب، حتى لا ينتهي أثر المسابقة بانتهاء المنافسة وإعلان النتائج.
فالموسيقى تحتاج إلى فضاءات تسمح بالتعلّم والتبادل والتجريب، وإلى مؤسسات تواكب العازفين في تطوير مشاريعهم، بما يجعل المسابقات جزءًا من سياسة ثقافية مستدامة، لا مناسبات معزولة لا يربط بينها مسار واضح.
العود التونسي.. خصوصية تحتاج إلى البحث والتعريف
يحتلّ العود التونسي موقعًا مهمًا ضمن مكوّنات الذاكرة الموسيقية المحلية، بما يحمله من خصائص صوتية وتقنيات أداء وعلاقات متشابكة مع تقاليد التلحين والغناء في تونس. وفي هذا الصدد، تبرز أهمية تخصيص يوم للاحتفاء بهذه الآلة، من خلال ورشة يشرف عليها الفنان زياد مهدي، إلى جانب عرض يجمع عددًا من عازفي العود التونسي.
ولا تتوقف قيمة هذه المبادرة عند تقديم نماذج من العزف، بل تتصل بإمكانية فتح نقاش حول الخصائص التي تميّز التجربة التونسية، وكيفية توثيقها ونقلها إلى الأجيال الجديدة، فضلًا عن موقعها داخل التحولات التي تعرفها الموسيقى اليوم.
فالخصوصية الموسيقية تتطلب معرفة دقيقة بالتقاليد المحلية، وبالمسارات التي تشكّلت من خلالها، مع الانفتاح على إمكانات جديدة في التأليف والتوزيع والأداء.
وفي هذا السياق، يمكن للورشة الموسيقية أن تتجاوز وظيفتها التعليمية المباشرة لتصبح فضاءً للتبادل بين التجارب، خصوصًا إذا اقترنت بالتوثيق والبحث وإتاحة المعرفة المتعلقة بالآلة وتقنياتها.
الثلاثي جبران.. حين يتّسع العود خارج حدوده المألوفة
يأتي اختيار الثلاثي جبران لإحياء عرض الاختتام يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة ليمنح المهرجان بعدًا آخر، يتصل بقدرة العود على بناء لغة موسيقية معاصرة من دون الانفصال عن جذوره.
فالإخوة سمير ووسام وعدنان جبران لم يتعاملوا مع العود بوصفه آلة تستمد قيمتها من حضورها في التراث العربي فحسب، وجعلوا منه محور مشروع موسيقي قائم على الحوار بين ثلاثة أعواد، وعلى تطوير إمكانات التأليف والتفاعل والارتجال. وفي هذه التجربة، لا يتكرر الصوت الواحد ثلاث مرات، تتجاور الأصوات وتتحاور، بما يوسّع المجال التعبيري للآلة ويمنحها إمكانات تتجاوز الصورة التقليدية للعزف المنفرد.
وتحمل التجربة، في الوقت نفسه، جذورًا فلسطينية واضحة، وترسخ الصلة بين الموسيقى والشعر، وبين الصوت والذاكرة، ضمن تجربة جعلت من العود وسيلة للتعبير عن انتماء ثقافي يتجاوز الحدود الجغرافية.
ومن هذه الزاوية، يطرح حضور الثلاثي جبران نموذجً لما يمكن أن تبلغه الآلة حين تتحوّل من حامل للموروث إلى أداة لإنتاج معرفة موسيقية جديدة. فالجذور لا تتعارض بالضرورة مع التجديد، ويمكن أن تكون منطلقًا له، شرط ألا تتحوّل إلى حدود تمنع الموسيقي من المغامرة والبحث.
بين المدينة العتيقة ومدينة الثقافة.. توسيع فضاء الاستماع
يحمل تنظيم المهرجان في المدينة العتيقة، مع احتضان عرض الاختتام بقاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، دلالة تتصل بالفضاءات التي تستقبل الموسيقى وبالجمهور الذي تتوجّه إليه. فالمدينة العتيقة، بما تختزنه من ذاكرة عمرانية وثقافية، تمنح التظاهرة سياقًا يتقاطع فيه التراث الموسيقي مع الذاكرة الحضرية، بينما تتيح قاعة الأوبرا فضاءً مختلفًا لتقديم تجربة موسيقية تقوم على الحوار بين الآلات والتفاصيل الصوتية.
فالمهرجان الذي يكتفي بتقديم عروض متتالية قد ينجح في استقطاب جمهور ظرفي، أما الذي يخلق مساحات للتفاعل وتبادل الخبرات فيمكنه أن يترك أثرًا أعمق في الحياة الموسيقية.