يشتغل مهرجان كان السينمائي الدولي على معلقته الرسمية في كل دورة كخطاب بصري موازي للبرمجة، وبيان مكثف لما يريد قوله عن السينما والعالم معا.
فالمعلقة، في تقاليد المهرجان، ليست مجرد صورة جميلة تغطي الجدران وأعمدة الصحف وواجهات المنصات، بل هو العتبة الأولى للدورة، والمفتاح الرمزي الذي يهيئ المتلقي للدخول إلى مزاجها العام.
من هذا المنظور، يبدو اختيار صورة من فيلم “ثيلما ولويز” لريدلي سكوت ( Ridley Scott) للدورة التاسعة والسبعين (2026) قرارًا مفعما بالإشارات، يتجاوز الحنين إلى كلاسيكية أمريكية شهيرة، نحو استدعاء عمل ما يزال، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنتاجه، يحتفظ بقدرته النادرة على مساءلة السلطة والحرية والصداقة والقدر.
في الصورة المختارة، لا نرى لحظة مطاردة ولا المشهد الختامي الذي صار من أشهر نهايات السينما الحديثة، ولا حتى ذروة سردية مشحونة بالتوتر، نحن فقط نرى امرأتين (سوزان سراندون وجينا دافيس) تجلسان فوق سيارة في فضاء مفتوح، تتطلعان إلى جهة خارج الكادر.
هذه اللحظة ساكنة، وشبه عادية، لكن سكونها خادع، وهنا تحديدا تكمن فطنة الاختيار، فالمهرجان لا يستدعي الفيلم من بوابة حدثه الدرامي، بل من جوهره التأملي حيث الطريق احتمال، والنظرة توق، والصداقة شكل من أشكال النجاة.
لقد عرف “ثيلما ولويز”، منذ صدوره سنة 1991، كيف يحوّل فيلم الطريق من نوع سينمائي ذي حمولة ذكورية تقليدية إلى سردية مضادة تعيد توزيع الأدوار والسلطات.
في أفلام الطريق الكلاسيكية، غالبا ما كان الرجل هو من يقود السيارة والحكاية والمصير، بينما تُدفع المرأة إلى الهامش، أو تُستدعى كاستراحة عاطفية في مسار الرحلة.
لكن فيلم ريدلي سكوت، بكتابة ذكية من كالي خوري، قلب المعادلة وجلست امرأتان في مقعد القيادة، لا تهربان من القانون بقدر ما تتحديان القمع اليومي وتكتشفان في الطريق البنية العميقة للعنف الاجتماعي والتمييز والأحكام المسبقة.
واستعادة هذا الفيلم اليوم لا تبدو محض التفاتة حنين، بل تكتسب راهنيتها من العالم الذي نعيشه، فسنة 2026 تأتي في مناخ عالمي متوتر من حروب متناسلة، وانغلاق هوياتي، وصعود نزعات سلطوية
وفي قلب هذا الاضطراب، تختار “كان” صورتين لامرأتين تنظران إلى البعيد، كأن المهرجان يقول، بلغة ناعمة وذكية، إن الفن ما يزال قادرا على اقتراح أفق حين تضيق السياسة، وعلى تذكيرنا بأن الطريق لا يُغلق نهائيًا مهما تكاثرت الحواجز.
والأبيض والأسود في المعلقة ليس تفصيلا شكليا، إنه قرار جمالي دال، فالصورة تُسحب من زمنها الأصلي ومن ألوانها الطبيعية لتوضع في منطقة بين الذاكرة والأسطورة.
وبعيدا عن منطقة الحنين، بتجلى في الصورة جوهرها القائم على رباعية الجسد والنظرة والفراغ والأفق.
ثم إن اختيار “ثيلما ولويز” في هذه اللحظة يلامس، دون مباشرتية، أسئلة الصناعة السينمائية نفسها ونقاشات تمثيل النساء، ومواقع السلطة داخل المنظومة الإنتاجية، وتفاوت الفرص بين المخرجين والمخرجات.
لذلك، تبدو هذه المعلقة تذكيرا بأن المعركة لم تنته، وهنا بالذات يتجلى ذكاء الاختيار،فالفيلم، حين صدر، أثار نقاشا واسعا في الولايات المتحدة بين من رأى فيه عملا نسويا مفصليا، ومن اعتبره هجاء مبالغا فيه للرجال.
لكن ما بقي منه بعد كل الجدل هو شيء أعمق من المواقف الآنية، بقيت قيمته الفنية وطاقته الإنسانية، وبقيت قدرته على تصوير الصداقة كتحالف ضد الخوف، والحرية كفعل ضروري مكلف، وهذا ما يمنحه، اليوم، قابلية جديدة للتأويل.
فحين تجلس ثيلما ولويز على السيارة وتنظران بعيدًا، لا تبدوان شخصيتين من الماضي، بل شاهدتين على حاضر مرتبك لا يزال يكرر، بأشكال أخرى، نفس أنماط القهر القديمة.
وليس من المصادفة أيضًا أن يعود كان إلى فيلم أمريكي في لحظة تتبدل فيها علاقة أوروبا بهوليوود، وعلاقة المهرجانات الكبرى بالمنصات الرقمية والصناعة الترفيهية العملاقة.
فـ”ثيلما ولويز” ينتمي إلى زمن كانت فيه السينما الأمريكية التجارية قادرة على إنتاج أعمال جماهيرية ذات حس نقدي حقيقي، تجمع بين المتعة البصرية والحمولة الفكرية.
لقد كان فيلما نجح جماهيريا ونقديا، وفرض نفسه في الذاكرة الثقافية دون أن يضحّي بتعقيده. استدعاؤه اليوم قد يكون، ضمنيا، تذكيرا بأن السوق لا يجب أن يقتل المخاطرة، وأن الشعبية ليست نقيضًا للعمق.
من الناحية البصرية، يشتغل الملصق على مفارقة دقيقة، امرأتان ساكنتان في صورة عن فيلم طريق عنوانه الحركة، لكن هذا السكون ليس نقيض الحركة، بل لحظتها الداخلية، فكل رحلة تحتاج لحظة تأمل تسبق الانطلاق أو تعقبه، وكل مغامرة حقيقية تبدأ بنظرة إلى الأفق.
لذلك تبدو الصورة، في عمقها، صورة عن السينما نفسها وهي تتساءل: إلى أين؟ بعد قرن ونيف من اختراعها، وبعد تحولات رقمية عنيفة، وبعد منافسة الذكاء الاصطناعي، وبعد تشظي عادات المشاهدة، تقف السينما اليوم كما تقف البطلتان في الملصق: فوق مركبة قديمة، تنظران إلى المدى، وتبحثان عن معنى جديد للسفر.
ثمة أيضًا بعد عاطفي لا يمكن تجاهله، فاختيار صورة من فيلم تسعيني شهير يراهن على الذاكرة الجمعية لجيل كامل تربّى على صالات العرض وعلى زمن كانت فيه مشاهدة فيلم حدثًا ثقافيًا مشتركًا.
لكن الملصق لا يكتفي بمغازلة من عاشوا تلك الفترة، بل يخاطب أيضًا الأجيال الجديدة التي قد تكتشف الفيلم للمرة الأولى عبر هذا الاستدعاء، وهنا يتحول الملصق إلى جسر بين أزمنة المشاهدة المختلفة، بين من يحتفظ بالمشهد في ذاكرته، ومن سيبحث عنه على منصة رقمية.
إن “كان”، بهذا الاختيار، يمارس أيضا وظيفة “منسية” للمهرجانات الكبرى هي الحفاظ على الذاكرة السينمائية، فالمهرجان لا يكتفي بعرض الجديد، بل يعيد تفعيل القديم، ويذكّر بأن تاريخ السينما ليس متحفًا مغلقًا بل مادة حيّة قابلة للتأويل المستمر.
وحين يضع “ثيلما ولويز” على واجهته، فهو لا يحتفي بالفيلم فحسب، بل يحتفي بفكرة أن الأعمال العظيمة لا تنتهي بانتهاء موسم عرضها.
واختيار فيلم نسوي الطابع، أيقوني المكانة، أمريكي الشهرة، وقابل للقراءة العابرة للقارات، هو أيضًا اختيار ذكي تسويقيًا.
وتجلس ثيلما ولويز من جديد على حافة الصورة، تنظران بعيدًا، كما لو أنهما تنتظران المتفرجين لا المصور وتدعوانهم إلى السفر، إلى المخاطرة، إلى استعادة دهشة الرحلة.