في مهرجان طبرقة للجاز، تدخل المدينة نفسها في التوزيع الموسيقي، ويصبح البحر والشارع والرصيف والمدرج جزءًا من التجربة.
ومن يطالع البرمجة سيعتقد للوهلة الأولى أن
البرمجة موزعة بين عروض رئيسية وأخرى موازية، ولكن مع انطلاق المهرجان اتضح أن الأمر لا يبدو أن يكون تنويعا للفضاءات.
وعلى إيقاع سؤال متجدد حول قدرة الجاز على الاستلهام من الأمكنة التي يحل فيها، تجلت تجربتان مختلفتان في الأسلوب متقاربتان في الفلسفة وهما “جازنا” لمحمد علي كمون، و”أصول” لياسين بولعراس.
الأولى انطلقت من الداخل التونسي لتعيد كتابة التراث بلغة الجاز، والثانية سافرت في الاتجاه المعاكس، من تونس إلى غرب إفريقيا ثم نيويورك، لتستعيد المسارات التي صنعت هذا الفن.
وبين المشروعين، بدا أن المهرجان لا يقدم عرضين منفصلين، بل فصلين من الحكاية نفسها.
في شوارع طبرقة، حيث راهنت عروض “ستريت جاز” على كسر الحاجز بين الفنان والجمهور، جلس محمد علي كمون إلى البيانو كما لو أنه يجلس إلى ذاكرة موسيقية كاملة.
لم تكن المنصة المنتصبة في قلب مدينة طبرقة فضاء بديلا عن مسرح البحر ، بل أصبح جزءا من المعزوفة.
والمارة الذين توقفوا بدافع الفضول، تحولوا شيئا فشيئا إلى جمهور، والجمهور تحول بدوره إلى عنصر داخل العرض، يصفق ويتمايل ويقترب من الموسيقيين، حتى اختفت الحدود التقليدية بين من يعزف ومن ينصت.
على الركح، لم يكن البيانو آلة غربية تبحث عن مكان لها داخل الإيقاع التونسي، بل بدا وكأنه يستعيد لغة يعرفها منذ زمن. فالمالوف، والأغنية الشعبية، والإيقاعات المحلية، لم تدخل العمل بوصفها اقتباسات فولكلورية، وإنما عناصر حية داخل كتابة موسيقية جديدة.
قاد كمون تسع مقطوعات، تحرك خلالها البيانو بين التأمل والانفعال، قبل أن تلتحق به الكمنجة والغيتار والدرامز والناي، في حوار موسيقي لا يقوم على إبراز المهارات الفردية، بقدر ما يقوم على الانسجام والتفاعل.
وكان لافتًا أن إحدى المقطوعات حملت اسم “طبرقة”، لكنها لم تصف المدينة بقدر ما انصهرت فيها.
فمن زرقة البحر إلى خضرة الغابة، ومن صمت البرج العتيق إلى نسيم الساحل، بدت المدينة نفسها وهي تعزف داخل العمل، حتى غدا المكان شريكًا في صناعة الموسيقى لا مجرد إطار يحتضنها.
وفي فضاء آخر، كان مشروع “أصول”، على ركح مسرح البحر، يذهب أبعد من سؤال الهوية المحلية، ليطرح سؤالًا يتعلق بتاريخ الجاز نفسه.
لم يكن ياسين بولعراس يبحث عن مزج موسيقي بين أنماط مختلفة، بقدر ما كان ينقب في الذاكرة التي أنجبت هذه الأنماط، مستعيدًا الخيوط التي تربط شمال إفريقيا وغربها بتاريخ موسيقى وُلدت في الضفة الأخرى من الأطلسي، لكنها لم تنقطع يومًا عن جذورها.
اختار بولعراس أن يبدأ من Night in Tunisia لديزي غيليسبي، في حركة بدت أشبه باستعادة رمزية لعمل حمل اسم تونس طويلًا، قبل أن يعيده إلى فضائه المتوسطي والإفريقي.
ونن هذا ا المنطلق ، لم تعد المقطوعة مجرد أثر من كلاسيكيات الجاز، بل مادة لإعادة التفكير في التاريخ نفسه، تاريخ لا يبدأ من نيويورك وحدها، بل من طرق الهجرة والعبور والإيقاعات التي حملتها الشعوب معها عبر القارات.
ومن هذه الفكرة، تشكل البناء الموسيقي للعرض، ليلتقي السطمبالي بالجاز، ويحاور المزود الهيب هوب، ويلامس الشعبي السول، دون أن يبدو أي انتقال قسريًا أو استعراضيًا. وكأن المشروع يرفض فكرة المزج بوصفها غاية، ليقدم بدلًا منها قراءة تؤكد أن هذه الموسيقات لم تكن يومًا غريبة عن بعضها، وإنما فرقتها الجغرافيا وجمعتها الذاكرة.
قاد الساكسوفون هذا الحوار بهدوء، لا باعتباره الصوت الأعلى، وإنما باعتباره خيطًا يصل بين بقية العناصر.
وفي المقابل، حمل سفيان السعيدي دفء الراي الجزائري إلى قلب هذا النسيج، بينما منح مهدي WMD للراب موقعًا طبيعيًا داخل البناء الموسيقي، بعيدًا عن فكرة الصدمة أو القطيعة، وجاء صوت نسرين جابر ليمنح العرض لحظات من الصفاء، متنقلًا بين الفصحى والعامية بخفة جعلت الكلمة امتدادًا للإيقاع لا عنصرًا منفصلًا عنه.
ومع تصاعد الإيقاعات، لم يبق الجمهور خارج التجربة وتحولت مدرجات مسرح البحر إلى فضاء للحركة، وتعالت التصفيقات، واندفعت الأجساد إلى الرقص، في مشهد أكد أن الموسيقى بلغت غايتها حينما تحولت المجتمع تجربة مشتركة.
بين “جازنا” و”أصول”، صاغ مهرجان طبرقة للجاز عرضين متجاورين، رؤية موسيقية متكاملة، تنطلق من سؤال الجذور لتصل إلى أفق الانفتاح.
فإذا كان محمد علي كمون قد جعل من التراث التونسي نقطة انطلاق نحو كتابة جازية معاصرة، فإن ياسين بولعراس أعاد تتبع المسارات التي عبرتها الموسيقى.
وفي الحالتين، لم تكن الهوية قيدا، بل أفقا للحوار، ولم يكن المكان مجرد فضاء يحتضن العروض، بل عنصرا فاعلا في تشكيلها.