خلال عرض “جدل” ضمن أيام قرطاج الموسيقية، غصّت مقاعد قاعة الأوبرا بشباب جاءوا للقاء فرقة أردنية وموسيقى تبدو قريبة من وجدانهم، من أسئلتهم ومن الطريقة التي تشكلت بها ذائقتهم خلال السنوات الأخيرة. ومنذ اللحظات الأولى، كان جليا أن الحفل يتجاوز فكرة العرض الموسيقي ليصبح لقاءً بين فرقة وجمهور وجد في أغنياتها شيئاً من هويته.
ربما كانت “جدل” تبحث، منذ تأسيسها في عمان سنة 2003، عن صيغة موسيقية خاصة تجمع الموسيقى العربية بالروك وتخرج بالأغنية من قوالبها المعتادة.
لكن ما حدث في قاعة الأوبرا يوحي بأن البحث عن الهوية لم يكن خاصاً بالفرقة وحدها. فالشباب الذين ملأوا القاعة بدوا هم أيضاً وكأنهم وجدوا في “جدل” صوتاً يعبر عن جزء من هويتهم الموسيقية، هوية لم تعد تقبل التقسيم السهل بين شرقي وغربي.
وملامح الإقبال على الحفل تشكلت منذ الإعلان عن الحفل، إذ نفذت التذاكر وبرمجت إدارة أيام قرطاج الموسيقية عرضا ثان استجابة للجمهور، قبل أن تنفد تذاكر العرض الثاني بدورها.
ومع حلول موعد الحفل، لم يبق تقريباً مقعد شاغر في قاعة الأوبرا، في مشهد يكشف أن العلاقة بين “جدل” والجمهور التونسي ليست وليدة اللحظة، وأن الفرقة استطاعت أن تبني لنفسها حضوراً يتجاوز حدود المشهد الأردني.
داخل القاعة، كان الجمهور جزءاً من العرض منذ الأغنية الأولى. لم ينتظر الشباب أن تقودهم الفرقة إلى التفاعل، بل كانوا يعرفون الطريق مسبقاً.
ما إن تنطلق النغمات الأولى حتى تبدأ الكلمات من القاعة، وأحياناً يسبق الجمهور محمود ردايده إلى الجملة التالية ويستعيد الأغاني التي علقت في ذاكرته.
وكانت طريقة الرقص بدورها كاشفة عن طبيعة هذا الجمهور. لم يكن رقصاً منظماً ولا مجرد حركة على إيقاع الموسيقى، بل حالة جماعية عفوية؛ أجساد تتحرك مع الغيتار والدرامز، أيدٍ ترتفع.
وشباب يتركون مقاعدهم ويتفاعلون مع كل انتقال موسيقي، هم لا يشاهدون الحفل من الخارج بل ينصهرون معه جسديا ويصبحون جزءا من إيقاعه.
وعلى الركح، لم تكن الفرقة أقل اندفاعا، طاقة أعضاء “جدل” كانت واضحة في الحركة وفي طريقة الأداء وفي العلاقة المباشرة مع الجمهور.
الغيتار، الإيقاع، الحضور الجسدي، والتفاعل بين أعضاء المجموعة، كلها جعلت العرض بعيداً عن أداء ثابت يمكن مشاهدته من مقعد. كانت الموسيقى تتحرك على الركح بقدر ما تتحرك في القاعة، وكلما ارتفعت طاقة الفرقة، ارتفعت معها طاقة الجمهور.
وخصوصية “جدل” لا لا تتأتى فقط من كونها فرقة روك تغني بالعربية. منذ بداياتها، كانت التجربة قائمة على إعادة صياغة العلاقة بين الموسيقى العربية والروك.
وكانت إعادة توزيع “كل ما أقول التوبة” لعبد الحليم حافظ واحدة من البدايات التي كشفت إمكانية وضع الأغنية العربية داخل بناء موسيقي مختلف، قبل أن تنتقل الفرقة إلى إنتاج أعمالها الخاصة وتبني صوتها الذي أصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة الموسيقى البديلة العربية.
ومع ألبوم “الروك العربي” سنة 2009، كانت “جدل” تصنع لنفسها موقعا أكثر وضوحا داخل مشهد مستقل كان يتشكل في الأردن والمنطقة. لم يكن الهدف إنتاج روك غربي بكلمات عربية بقدر ما كان بحثا عن لغة موسيقية تنطلق من البيئة العربية وتستفيد في الوقت نفسه من إمكانات الروك. وهذا المسار هو الذي جعل الفرقة قريبة من جيل كان يبحث عن موسيقى تشبهه.
في أغنيات مثل “بخاف من الكوميتمنت”، ظهر هذا الارتباط بشكل أوضح. فالكلمات تتناول الخوف من الالتزام العاطفي، لكنها في العمق تلتقط حالة جيل يعيش علاقاته وأسئلته بطريقة مختلفة.
وفي “الماكينة” و”مليون” وأعمال أخرى، تتسع الدائرة لتشمل القلق والحيرة والإحباط والخسارة، وهي موضوعات جعلت أغنيات “جدل” أقرب إلى يوميات موسيقية لجيل كامل.
ولعل هذا ما يفسر الحضور اللافت للشباب في أيام قرطاج الموسيقية.
هؤلاء الشباب لا يتعاملون مع “جدل” باعتبارها فرقة أردنية قادمة من الخارج، إنما باعتبارها جزءاً من مساحة موسيقية عربية مشتركة. المشاعر التي تحملها هذه الأغاني لا تحتاج إلى جواز سفر: الحب، الخوف، السخرية، الرغبة في التحرر، القلق من المستقبل، والعلاقات المتعثرة.
ومن هنا يمكن فهم البحث عن الهوية في تجربة «جدل» من زاويتين.
الفرقة نفسها أمضت سنوات وهي تبحث عن هوية موسيقية لا تقع في خانة الشرق وحده ولا تقلد الغرب، بينما كان جمهورها يبحث، بطريقة أخرى، عن صوت يستطيع أن يشبهه من دون أن يضعه داخل تصنيف جاهز.
جيل الألفية والجيل الذي تلاه نشآ في عالم موسيقي مختلف. الإنترنت والمنصات الرقمية جعلت الاستماع أكثر انفتاحاً، وأصبح الشاب التونسي قادراً على متابعة فرقة في عمان أو بيروت أو القاهرة كما يتابع فرقة محلية. تراجعت الحدود الجغرافية أمام الأغنية، وظهرت ذائقة عربية جديدة لا ترى تناقضاً في الانتقال من عبد الحليم حافظ إلى الروك، ومن الأغنية العربية إلى الهيب هوب والموسيقى الإلكترونية.
و”جدل” أيضا لم تنظر إلى الهوية باعتبارها مساحة يمكن إعادة تشكيلها. لذلك استطاعت أن تستعيد أغنية من الذاكرة العربية، ثم تضعها في سياق روك، وأن تكتب أغنيات جديدة عن تفاصيل معاصرة، وأن تجد في النهاية جمهوراً يرى كل ذلك طبيعياً.
حتى مظهر الجمهور في قاعة الأوبرا كان جزءاً من هذه الهوية الجديدة. الملابس، تسريحات الشعر، طريقة الوقوف، الحركة، والرقص، كلها تعكس ثقافة موسيقية تشكلت حول المشهد البديل. كان الشباب يرتدون ما يحبون، ويحملون معهم إلى القاعة صورة عن أنفسهم وعن الجماعة التي ينتمون إليها موسيقيا وثقافيا.
وفي المقابل، لم تتعامل “جدل” مع هذا الجمهور باعتباره كتلة مستهلكة للموسيقى. العلاقة كانت أكثر حيوية. الفرقة تدفع بالطاقة من الركح، والجمهور يعيدها إليها من القاعة. كل أغنية محفوظة، كل حركة، وكل كلمة يرددها الجمهور تصبح وقودا إضافيا للأداء.
وتحولت قاعة الأوبرا إلى فضاء لا يمكن فيه الفصل بسهولة بين من يؤدي ومن يستمع. فرقة على الركح وجمهور أمامها، لكن الطاقة موزعة بين الطرفين. وفي لحظات كثيرة، بدا أن الأغنية تبدأ من الفرقة ثم تعود إليها من الجمهور وقد تغيرت، بعدما أصبحت جماعية.
من عمان إلى تونس، قطعت “جدل” مسافة جغرافية طويلة، لكنها وجدت في قرطاج جمهورا لا يبدو غريبا عن عالمها، جمهورا حفظ الأغاني، وسبق إلى الكلمات، ورقص مع الإيقاع، وملأ القاعة حتى لم يعد فيها تقريباً مقعد شاغر.
وربما كانت الصورة الأكثر دلالة في ذلك كله أن “جدل”، التي أمضت سنوات في البحث عن صوتها وهويتها، وجدت أمامها في تونس جيلاً يبحث بدوره عن صورته الموسيقية. وعندما التقت التجربتان على ركح الأوبرا، لم تعد الهوية سؤالا نظريا، أصبحت صوتا يردد الكلمات، وجسداً يرقص، وقاعة كاملة تتحرك على إيقاع واحد.
في هذا العرض، كما غيره، لم يكن الجمهور شاهداً على نجاح “جدل” وجزءا من هذا النجاح. وربما كان امتلاء قاعة الأوبرا، ونفاد تذاكر العرضين، وحفظ الأغاني والرقص عليها، أكثر من مؤشرات على الإقبال.
كان الأمر إعلانا أن الموسيقى التي بدأت ذات يوم في هامش المشهد الموسيقي العربي استطاعت أن تجد مكانا لها في ذاكرة جيل جديد، وأن تتحول من بحث عن الهوية إلى واحدة من صورها الممكنة.