إعداد: عفاف الغربي
في عصر أصبحت فيه الشاشات هي النوافذ الأساسية التي نطل منها على العالم ، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للترفيه والربط بين الناس إلى فضاءات معقدة تفرض سطوتها على السلوك البشري اليومي.
ففي تونس مثلا ، التي تعيش طفرة اتصالية غير مسبوقة، لم يعد تطبيق “تيك توك” أو غيره من المنصات مجرد أدوات لمشاهدة مقاطع فيديو عابرة بل تحول الأمر إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية تستدعي التوقف والتحليل و التحقيق, حيث تشير المعطيات الميدانية والبحثية إلى أن المجتمع التونسي بات يغرق تدريجيا في حالة من “الإدمان الرقمي” المقنّع ، مستندًا إلى بنية تحتية رقمية ضخمة تقودها الهواتف الجوالة .
فما الذي يجعل المواطن التونسي يقع في أسر هذا الفضاء الافتراضي؟ وكيف تحولت الخوارزميات التكنولوجية والمنصات الرقمية إلى شباك تصطاد الفئات الهشة ، وخاصة الشباب والقُصّر؟
خريطة الاختراق الرقمي: ملايين الحسابات النشطة وسرعات تدفق تغذّي الإدمان!
ان المدخل الأبرز لفهم حجم الظاهرة يكمن في قراءة الأرقام والإحصائيات الصادرة عن الجهات المختصة في التحليل الرقمي على غرار DataReportal وMEDIANET وOokla. تشهد تونس مستوى مرتفعاً من الاتصال الرقمي، مع 10.4 ملايين مستخدم، بنسبة نفاذ تصل إلى 84.3% من إجمالي السكان، يتنقلون عبر 15.5 مليون اتصال خلوي نشط، مدفوعين بقفزة نوعية في سرعة الإنترنت المحمول التي بلغت معدل تدفق يقدر بـ 67.12 ميغابت في الثانية (Mbps).
هذه البنية التحتية القوية غدّت فضاءات التواصل الاجتماعي التي تضم 7.83 ملايين حساب نشط (ما يمثل 87.3% من الفئة البالغة في تونس).
وفي حين يتربع “يوتيوب” على العرش بـ 46 مليون زيارة شهرياً، ويليه “فيسبوك” بـ 21 مليون زيارة وقاعدة مستخدمين تتراوح بين 7.3 و9.4 ملايين حساب، برزت المفاجأة الكبرى وعكس الاتجاهات العالمية في تفوق “تيك توك” الواضح على منصة “إنستغرام” في تونس ، حيث سجل التيك توك نموا صاروخيا متجاوزا عتبة 5.6 ملايين مستخدم (مستهدفا أساسا الجيل Z والشباب دون سن 35 عاماً الذين يمثلون 60% من الهيكل السكاني المتصل بالشبكة)، مقابل 4.5 ملايين مستخدم لإنستغرام.
السقوط في “فخ المتعة اللحظية”: سوسيولوجيا الهروب التونسي من ضغط الواقع إلى فراغ الشاشة
لتفكيك أسباب هذا الإقبال الكثيف ، يُظهر الاستبيان الميداني* الذي انجزناه و قامت بتحليله الأستاذة إيمان دعدوش، المختصة في علم الاجتماع، خلفيات مختلفة من ذلك البحث عن الهروب من الضغوطات اليومية و عن اعلام بديل فضلا عن وهم السيطرة الرقمية.
أفاد قرابة نصف المستجوبين (45%) بأنهم يستعملون المنصة للترفيه والتسلية. وترى الأستاذة دعدوش أن هذه النسبة تعكس بوضوح اتخاذ “تيك توك” كآلية للهروب من الأزمات والضغوط اليومية، مثل البطالة، غلاء المعيشة، والتوتر الاجتماعي والسياسي. يأتي هذا في ظل تراجع الفضاءات التقليدية للترفيه مثل النوادي والسينما والأنشطة الثقافية والرياضية، ليجد المواطن نفسه أمام فضاء حر وافتراضي يعوض هذا الفراغ.
من جهة أخرى يستعمل الربع تقريبا (26%) تيك توك لمتابعة الأخبار. هذا المؤشر يطرح إشكالية “أزمة الثقة” في وسائل الإعلام التقليدية، وصعود نمط “الإعلام البديل” القائم على المعلومة السريعة والقصيرة، رغم ما يعاب عليها من اختزال شديد وخلط بين الترفيه والخبر الموثوق.
كما كشفت النتائج عن مفارقة هامة، فبينما يرى 42% من المستجوبين أنه لا توجد لديهم أي صعوبة في التوقف عن استخدام التطبيق، تعترف نسبة 11% صراحة بالعجز عن التوقف. وتؤكد القراءة السوسيولوجية أن هذه الأرقام تفضح “فجوة وهم السيطرة”، حيث تعتقد الأغلبية أنها تتحكم في سلوكها الرقمي، بينما يشير الواقع الفعلي والاستهلاك المفرط إلى العكس تماما.

سلطة الجهل المقنّع: كيف يقود “مؤثرو الصدفة” ونجوم الغفلة جيلا كاملا نحو التسطيح العقلي؟
الى جانب خطر الخوارزميات وصمت الشاشات، تحول فضاء “البث المباشر” أو ما يُعرف بـ “اللايفات” كواحدة من الخاصيات التقنية من أداة للتواصل اللحظي او لعب “الجولات” إلى منابر مفتوحة على مدار الساعة للسبّ والشتم وتبادل الاتهامات، وهتك الأعراض على مرأى ومسمع من مئات الآلاف من المتابعين الذين يقضون ساعات طوالا أمام الهواتف من مختلف الدول العربية و الاوروبية. وهنا تجدر الاشارة الى أن نسبة كبيرة من هذه المحتويات ابطالها تونسيون يقيمون بالخارج.
وفي هذا السياق تعترف “ميساء” وهي مستخدمة دائمة وقعت في فخ إدمان المنصة، بكيفية استهلاك هذه المقابلات الافتراضية الصاخبة لوقتها وصحتها النفسية وتأثيرها على مردودها المهني. أما صانع المحتوى “لبيب” فقد أكد أن دخوله لهذه المنصة كان مجرد صدفة بعد أن حقق احدى الفيديوهات التي نشرها على حسابه الخاص ارقام مشاهدة و تفاعلات قياسية مؤكدا أن هذا هو الطعم الذي جعله يدمن هذه المنصة. وبين أنه أصبح يرى في نفسه القدرة على التأثير وأنه يلعب دورا بطوليا في حديثه ونقده للشأن العام من خلال استعمال اسم مستعار. و تظهر شهادات أخرى من صناع محتوى ومستخدمين مثل “ملاك”، و”papi” أن هذه المنصة هي من جهة فرصة لصناعة محتوى جيد لكنها سرعان ما تصيب بحمّى البحث عن “الربح السهل والسريع” وهاجس الشهرة والنجومية .
هذا الهوس أنتج ظاهرة خطيرة في المجتمع التونسي سواء كان في الداخل أو الخارج، وهي صعود “مؤثرين بلا أثر حقيقي”، أشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من الزاد الفكري والثقافي، لكنهم بفضل أرقام المشاهدات الزائفة يظنون أنفسهم نجوما وقادة رأي و يتجرؤون على الخوض في مواضيع اجتماعية حساسة و حتى سياسية . هؤلاء يقودون اليوم حملة تأثير سلبي على عقول المتابعين، ناشرين ثقافة السطحية، التواكل، والجهل المقنّع بمظهر النجومية. ففي سبيل الحصول على “الهدايا الرقمية” والدعم المالي الفوري، تهاوت الكثير من الخطوط الحمر الأخلاقية، وأصبحت الحياة الخاصة للمواطنين مستباحة في حروب افتراضية كلامية تُشنّ يوميا بلا رقيب ولا حسيب.
“الدوبامين الافتراضي” :كيف روّضت خوارزميات الذكاء الاصطناعي نظام المكافأة في دماغ التونسي؟
تُعرّف منظمة الصحة العالمية (WHO) الإدمان بأنه “اضطراب مزمن في نظام المكافأة في الدماغ، يتميز بفقدان السيطرة على السلوك ويستمر رغم الآثار السلبية”. وقد ينطبق هذا التعريف على البيئة التكنولوجية للتطبيق. ويشير الخبير في الانتقال الرقمي والذكاء الاصطناعي، أيمن بن سليمان، إلى الدور الحاسم للذكاء الاصطناعي في توجيه المستخدمين وربطهم المستمر بالمنصة عبر خوارزميات بالغة الذكاء صُممت خصيصًا لرفع معدلات البقاء أمام الشاشة. والمثير للانتباه، حسب نتائج تقرير MEDIANET INSIGHT الصادر عن MEDIANET، فإن 71% من التونسيين بصفة عامة و93% من الشباب بين 18-24 عاماً بشكل خاص باتوا يشاركون بياناتهم الشخصية ويتعاملون مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي كـ “مساعد يومي وكاتب أسرار رقمي”، مما يعكس انغماسًا أعمق في البيئة الافتراضية وثقة عمياء في الآلة.
هذا الإفراط التكنولوجي المنتشر يدفع نحو ضريبة صحية ونفسية باهظة. وفي هذا السياق تؤكد الدكتورة وئام كمون مقني، المختصة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، بالاستناد إلى أبحاث منشورة في مجلة AIMS PUBLIC HEALTH، أن الاستخدام المفرط لتيك توك والتعرض للمحتويات الهابطة يرتبط مباشرة بظهور أعراض نفسية حادة مثل زيادة معدلات القلق والتوتر، والانزعاج الذهني خاصة لدى الفئة العمرية 12-17 سنة واضطرابات النوم وتشتت الانتباه وصعوبة التركيز، مما قد ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي والأداء المهني. كما يمكن أن يتسبب الاستخدام المفرط لمثل هذه المنصات قي اضطرابات سلوكية مرتبطة بالأكل، وصولاً إلى تعزيز الأفكار السوداوية في بعض الحالات الهشة.
وما يضاعف هذه المخاطر هو ما كشف عنه تقرير منظمة GLOBAL WITNESS، الذي أظهر أن خوارزميات البحث في تيك توك توجه بشكل نشط وقسري مستخدمين قصرًا بعمر 13 عامًا نحو محتويات غير ملائمة ومؤذية نفسيًا وأخلاقيًا، ما من شأنه أن يمثل خطرا على سلامة الطفولة.
حين تُصدّر خوارزميات الجهل!
تكشف طريقة تقديم التطبيق من قبل الشركة المالكة له، «بايت دانس» (ByteDance)، عن مفارقة تكنولوجية لافتة، إذ تعتمد الشركة نسختين منفصلتين من المنصة، تختلفان في عدد من الخصائص والمضامين وآليات إدارة المحتوى بحسب السوق المستهدف.
ففي الصين، لا يستخدم الجمهور النسخة الدولية «تيك توك» (TikTok)، بل منصة «دويين» (Douyin)، التي طُوّرت خصيصًا للسوق الصينية وتخضع، إلى جانب خيارات الشركة في تصميم المنصة وإدارة محتواها، للإطار التنظيمي الصيني الخاص بخدمات الإنترنت. وتتميز منصة «دويين» بمحتوى يركز بشكل خاص على العلوم والتجارب التعليمية والمعارض التاريخية، والثقافة. كما تفرض المنصة رقابة صارمة عبر “وضع خاص بالقصر” يحدد وقت الشاشة بـ 40 دقيقة فقط يوميًا لمن هم دون 14 سنة، مع حظر الاستخدام ليلا ومنع كامل لمن هم دون 16 سنة من البث المباشر. وفي المقابل، تُصدّر الشركة للعالم، ومنه تونس، نسخة “تيك توك” (TikTok) بلا قيود إلزامية صارمة، والمعتمدة أساسا على خوارزميات تدفع نحو الانتشار الأقصى القائم على الترفيه، والتحديات مما من شأنه أن يعمق أزمة الإدمان السلوكي والابتذال القيمي.
إن هذه المفارقة التكنولوجية، المدعومة بالمعطيات والأرقام المحيّنة والشهادات الحية، تثبت أن أزمة “تيك توك” والفضاء الرقمي في تونس ليست مجرد مسألة تمضية وقت عابرة، بل هي ظاهرة معقدة تتداخل فيها البطالة والفراغ الثقافي مع ذكاء الآلة وسطحية “مؤثري الصدفة” الذين باتوا يستحوذون على عقول ملايين التونسيين المتصلين بالشبكة.
وأمام هذا التهديد، تصبح مواجهة هذا المد الرقمي حتمية لا تحتمل التأجيل عبر مقاربة وطنية شاملة، تبدأ أولاً من الأسرة عبر تشديد الرقابة العائلية ورفع وعي الأولياء بالمخاطر النفسية والسلوكية، والتحذير من وهم التحكم الرقمي الذي يسقط فيه المراهقون.
وتمر ثانيا عبر مقاربة اجتماعية وثقافية تعيد إحياء الفضاءات الشبابية والنوادي الرياضية لملء وقت الفراغ القاتل الذي تقتات عليه هذه النوعية من التطبيقات لصناعة نجومه الوهميين. وصولا إلى دور مؤسساتي وتنظيمي حاسم، يُفعّل أدوات الرقابة الرقمية لحماية القُصّر من “خوارزميات الشتيمة و الفضائح” ومحتويات السب وهتك الأعراض في “اللايفات”، ويضع مواثيق وطنية للتعامل الآمن مع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
يبقى التساؤل الحارق قائما ومطروحاً على طاولة أصحاب القرار: إن المعركة الحقيقية اليوم لم تعد معركة شاشات وترفيه، بل هي معركة سيادة على وعي المجتمع ، فهل تمتلك تونس اليوم الجرأة لكسر كوابح الاستدراج الرقمي واستعادة عقول شبابها من التسطيح ؟ أم أن بوصلتها المجتمعية قد سُلّمت بالفعل، وبلا مقابل، لخوارزميات عابرة للقارات تصوغ قيم التونسيين وتعيد تشكيل هويتنا من وراء البحار؟
*تجدر الإشارة إلى أن العينة المعتمدة في هذا الاستبيان غير تمثيلية وإنما تُقرأ مؤشراته في إطار محاولة فهم أنماط الاستخدام والدوافع والتمثلات لدى المستجوبين