في افتتاح الدورة الحادية عشرة من أيام قرطاج الموسيقية، كان استحضار ياسر جرادي اختبارا قدرة الموسيقى على تحويل الغياب إلى حضور، وعلى جعل الذاكرة مادة فنية تعيد اكتشاف أثر الفنان في الآخرين.
على الركح، التقى سامي بن سعيد على البيانو بغيث الجويني على الهارمونيكا. ومن هذا اللقاء البسيط في ظاهره، تشكل حوار يتجاوز الآلتين إلى تجربتين ومسارين وذاكرتين، تلتقيان عند ياسر جرادي.
لم يكن البيانو والهارمونيكا يتبادلان الجمل الموسيقية فحسب، كان كل صوت يترك للآخر مساحة كي يقول شيئا.
البيانو يمنح البناء امتداده واتساعه، والهارمونيكا تدخل إليه بصوت أكثر حميمية، أقرب إلى النفس البشري وبينهما تشكلت مساحة ثالثة، هي مساحة الذاكرة.
وتجاوز بينام سامي بن سعيد كونه آلة مرافقة ليبدو كإطار تنتظم داخله شظايا الاستحضار، يمنحها اتساعا دون أن يفرض عليها مسارا واحدا.
أما غيث الجويني، فقد حمل إلى الركح آلته وتجربة كاملة من المسرح والموسيقى والأمكنة.
ولعل حديث غيث عن الأمكنة هو أحد المفاتيح التي تجعل هذا الاستحضار يتجاوز فكرة الرثاء. فالمكان، في تجربته، ليس محايداً. هناك أماكن تحتفظ بما كان جميلا، وأخرى تستعيد وجها أكثر قسوة.
لكن الفن قادر، ولو مؤقتا، على إعادة ترتيب العلاقة معها، ويصبح المسرح أكثر من خشبة، وتصبح الموسيقى أكثر من صوت.
ففي بعض الأمكنة، يمكن للفن أن يصنع منفذا حين يبدو كل شيء مغلقا، وأن يحول اللقاء الإنساني إلى شكل من أشكال الخروج، وأن يمنح الذاكرة فرصة لأن تعيد كتابة علاقتها بالمكان.
واختزنت الهارمونيكا في يد غيث شيئا من تجربته الشخصية في ذلك الصوت الخارج من النفس، شيء من الأمكنة التي عبرها، ومن المسرح الذي شكّل جزءاً من مساره، ومن ياسر الذي ظل حاضرا في ذاكرته وفي علاقته بالفن.
أما البيانو، فكان يمنح هذا الصوت الآخر مساحة للحوار.
وفي المسافة بين الآلتين، تشكلت جمل موسيقية يكفي أن تصغي إلى تفاصيلها لتستعيد ياسر الجرادي وابتسامته التي تضيء العتمة.
وتحول استحضار ياسر جرادي إلى فعل جماعي، ساميبن سعيد يعيد صياغة الذكرى عبر البيانو، وغيث يحمل إليها أثر تجربته، والموسيقى نفسها تتكفل بما لا تستطيع السيرة أن تقوله، وينصاع الحضور إلى الحنين.
وكانت “ديما ديما ” انعكاسا للذاكرة التي ترفض أن تعتبر الغياب نهاية، هي فكرة قائمة على ان بعض الفنانين يظلون فينا لأن شيئا منهم ينتقل إلى الآخرين، إلى أصواتهم وذاكرتهم وطريقتهم في النظر إلى الفن والحياة.
من هذه الزاوية، كان استحضار ياسر جرادي في أيام قرطاج الموسيقية أكثر من حنين. كان استعادة لقيم ارتبطت بتجربته، الشغف، والحرية، والانحياز إلى الإنسان، والقدرة على جعل الموسيقى فضاءً للقاء.
ولم يكن اللقاء بين سامي بن سعيد وغيث الجويني ثنائيا موسيقيا عابرا كان لقاء بين مسارين مختلفين، بين البيانو والهارمونيكا، بين المسرح والموسيقى، وبين أمكنة تحمل ذواكر متباينة.
ومن داخل هذا التعدد، ظهر ياسر جرادي كأثر يتحرك بين الآخرين، في المسافة بين نغمتين، في نفس الهارمونيكا، في امتداد البيانو، وفي عبارة “نرجعلك ديما” التي تختزل الكثير.