في افتتاح المهرجان الدولي للعود بالمدينة، تجاورت آلتان تنتميان إلى الذاكرة الموسيقية التونسية عود زياد غرسة وناي حسين بن ميلود.
كان اللقاء حوارا بين صوتين مختلفين في طبيعتهما، يلتقيان عند مساحة مشتركة من التعبير.
وبينما يتنفّس الناي ويسترسل العود في تفريعاته اللحنية، تحوّل العرض إلى مساحة لإعادة الإصغاء إلى الموسيقى التونسية من داخل موروثها.
كان زياد غرسة يغمض عينيه، منصتا إلى ناي حسين بن ميلود، قبل أن تمتدّ أنامله إلى أوتار العود، فتلتقط ما ينسجه الناي من نغمات وتعيد صياغته في جمل لحنية سرعان ما تنفتح على الغناء.
وبدا الإصغاء جزءا من العزف نفسه، إذ لم يستعجل غرسة الدخول، بل ترك للناي أن يقوده إلى اللحظة التي يصبح فيها العود امتدادا لصوته.
في ليلة تحتفي بالعود، لم يكن الناي صوت مرافق له، ولا العود مركزا تستمدّ منه بقية العناصر وظيفتها. كان لكلّ آلة مجالها التعبيري ومساحتها الخاصة في بناء الجملة الموسيقية.
فالناي، بما يحمله صوته من امتداد ونفَس وتلوينات دقيقة، يفتح اللحن على أفق من الشجن والتأمّل، فيما يتيح العود، بثراء رنينه وتنوّع إمكاناته التعبيرية، الانتقال بين الزخارف والتفاصيل اللحنية التي تمنح الموسيقى حركتها الداخلية.
ومن هذا الاختلاف تحديدا نشأ الحوار، لم يتقدّم أحد الصوتين لإلغاء الآخر، بل تشكّلت بينهما علاقة قوامها التفاعل، حيث يمدّ الناي الجملة الموسيقية ويتدخّل العود ليفتح أمامها مسارات أخرى.
وتصبح المسافة بين الصوتين جزءا من التعبير، تماما مثل لحظات التقائهما، بما يسمح للموسيقى بأن تتطوّر من داخل عناصرها، بعيدا عن استعراض تقني يطغى على جوهرها.
في هذا السياق، يحمل حضور زياد غرسة دلالة تتجاوز مكانته بوصفه أحد الأسماء المرتبطة بالأغنية التونسية ومقاماتها وتقاليدها. فالتعامل مع العود عنده لا ينفصل عن معرفة بخصائص الجملة اللحنية، وبكيفية تشكّل التعبير داخل المقام، وبالعلاقة بين الزخرفة الموسيقية والمعنى. ولا تقتصر المسألة على استعادة ألحان مألوفة أو استحضار ذاكرة طربية، بل تتصل بالقدرة على إبقاء هذه الذاكرة حاضرة في الأداء، من خلال تفاصيل تجعل الموروث مجالا للممارسة والتعبير، لا مجرّد مادة للاستعادة.
وفي المقابل، يمنح الناي الذي يعزفه حسين بن ميلود اللقاء بعدا آخر، إذ يضع الصوت الهوائي في مواجهة الرنين الواضح للأوتار، ويخلق توازنا بين امتداد النغمة وتكثيفها، وبين انسياب النفس ودقة الانتقالات اللحنية. فالناي لا يستند إلى اهتزاز وتر تربت عليه الأنامل، إنه يقوم على نفَس يتحكّم العازف في ضغطه وتلوينه وامتداده.
وحين يلتقي صوت الناي القادر على حمل طيف واسع من الانفعالات بالعود، تغدو النتيجة اختبارا لإمكانات التفاعل بينهما. فالموسيقى التي تنشأ من هذا اللقاء لا تقوم على ذوبان أحد الصوتين في الآخر، وإنما على احتفاظ كلّ منهما بخصوصيته، مع الاستجابة لما يقترحه الصوت المقابل.