في طبرقة، لا يبدو الجاز ضيفا على المكان، بل جزءًا من ذاكرته، فمنذ أن استعاد المهرجان نبضه، عادت المدينة إلى طقوسها القديمة وهي أن تجعل الموسيقى تمتد خارج المسارح، لتسكن الشوارع والمقاهي والرصيف، وتصبح جزءًا من إيقاع الحياة اليومية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو عروض “ستريت جاز” فقرات موازية للبرنامج الرسمي، وإنما مساحة لاختبار علاقة أخرى بين الموسيقى والناس، علاقة لا تفصل الفنان عن جمهوره بل تجمعهما داخل الفضاء نفسه، حيث يصبح العابر مستمعًا، والمستمع شاهدًا على ولادة لحظة موسيقية لا تتكرر.
في هذا السياق، جاء مشروع خماسي Octun لعازف البيانو والمؤلف التونسي عمر الواعر، ليطرح سؤالًا يتجاوز حدود العرض نفسه حول إمكانية أن يتحدث الجاز بلهجة تونسية دون أن يفقد كونيته.
منذ المقطوعة الافتتاحية “جرجيس”، بدا أن الواعر لا يقترح برنامجا موسيقيا يقوم على التنقل بين مقطوعات منفصلة، بل يبني سردًا صوتيًا يبدأ من الجنوب التونسي قبل أن ينفتح على المتوسط، ثم يعود إلى الداخل مرة أخرى.
لم يكن اختيار اسم المدينة اعتباطيا، فجرجيس باستثناء أنها أصله، تمثل من نقطة لقاء بين اليابسة والبحر، تحولت إلى استعارة للمشروع كله، مشروع يبحث عن موسيقى متجذرة في هويتها، لكنها لا تخشى أن تذهب بعيدًا.
وما يميز تجربة عمر الواعر أنه لا يتعامل مع التراث بوصفه مخزونا من الألحان القابلة للاقتباس، ولا مع الجاز باعتباره قالبًا جاهزًا ينبغي ملؤه بعناصر محلية، فما يشغله هو البحث عن لغة ثالثة، لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن هذا العالم أو ذاك.
في قلب مدينة طبرقة، كان العرض يمضي على إيقاع الارتجال والجمهور ينغمس شيئا فشيئا في نسيج العمل نفسه، توقفت خطوات المارة، واتسعت دائرة المتابعين، وتعالت التصفيقات مع كل مقطع ارتجالي.
أصوات المدينة، ووقع الأقدام، وضحكات الأطفال، ونسيم البحر القادم من بعيد… كلها عناصر باتت جزءًا من المشهد السمعي.
في مركز هذا البناء، جلس عمر الواعر خلف البيانو بهدوء ويعلن عن مسارات الرحلة وتتبعه
بقية الآلات، فتنطلق منه الجمل اللحنية ثم تواصل رحلتها عبر الساكسوفون، أو تتشظى داخل إيقاعات الدرامز، قبل أن تعود إليه محمّلة بتجارب جديدة.
هذا الحوار المستمر منح الموسيقى حيوية خاصة فقد بدا الحزائري أرزقي بوزيد على الساكسوفون كأنه يكتب تعليقًا موازيًا لكل فكرة يطرحها البيانو، متنقلًا بين عبارات تأملية وأخرى أكثر اندفاعًا، فيما أضفت ترومبيت أمير بن هنية بعدًا احتفاليًا على بعض المقاطع، دون أن تفقد رهافتها في المقاطع الهادئة.
أما علاء بجاوي على الكونترباص، فقد تولى بناء العمق الهارموني الذي استند إليه العمل بأكمله، بينما صاغ جهاد البدوي على الإيقاعات نبضًا متحركًا، ينتقل بين الاقتصاد في الضربات والانفجار الإيقاعي، فيمنح الارتجال مجالًا واسعًا للتنفس.
وما يمنح هذا الخماسي خصوصيته لا يكمن في جودة الأداء وحدها، وإنما في الرؤية التي تجمع هؤلاء الموسيقيين. فكل واحد منهم يحمل مرجعية مختلفة، غير أن المشروع ينجح في تحويل هذا الاختلاف إلى مصدر ثراء، لا إلى تعدد أصوات متنافرة.
وخلال العرض، تحدث عمر الواعر عن رغبته في بناء “جاز محلي”، وفي إعادة قراءته لموشح “جادك الغيث”، حافظ على روح النص الموسيقي وترك لهارمونيات الجاز أن تدخل إليها بهدوء، كما لو أنها كانت تنتظر هذا اللقاء منذ زمن.
واللافت أن الموشح لم يفقد ملامحه، كما أن الجاز لم يتراجع عن حريته، وحدث العكس تمامًا، فقد منح كل منهما الآخر إمكانات جديدة
بدا المقام العربي أكثر اتساعًا، فيما اكتسبت هارمونيات الجاز دفئًا غير مألوف، وكأن الموسيقى اكتشفت مساحة مشتركة كانت موجودة دائمًا، لكنها لم تجد من يقترب منها.
وهنا تتجاوز تجربة “Octun” فكرة المزج، وهي الفكرة التي استهلكتها كثير من المشاريع الموسيقية المعاصرة، إذ يبحث عمر الواعر عن جذر الالتقاء بين الجاز والتراث.
هذه الرؤية تنعكس أيضًا في طريقة التعامل مع الارتجال، وفي تفاعل الجمهور مع العرض، فالحاضرون لم يكونوا يتابعون مقطوعات مكتملة بقدر ما كانوا يشاركون في صناعة لحظة موسيقية تتشكل أمامهم، وكان التصفيق الذي يتكرر بعد المقاطع الارتجالية اعترافًا بأن ما حدث فوق الركح لن يتكرر بالطريقة نفسها مرة أخرى.
في طبرقة، حيث يجاور البحر صخور الإبر الشهيرة، وحيث اعتادت المدينة أن تكون معبرًا بين ثقافات المتوسط، وجد مشروع “Octun” بيئته الطبيعية.
وبدا وكأن الموسيقى تستعير شيئًا من حركة الأمواج، تتقدم، وتتراجع، ثم تعود بشكل مختلف، محتفظة بالإيقاع نفسه، لكنها لا تكرر نفسها أبدًا.
وربما تكمن قيمة هذه التجربة في أنها لا تسعى إلى إثبات أن الموسيقى التونسية قادرة على ملاقاة الجاز، فذلك أصبح حقيقة أثبتتها تجارب عديدة، وإنما تحاول الذهاب خطوة أبعد، نحو بناء خطاب موسيقي ينطلق من تونس ليخاطب العالم.
ولهذا، لم يكن “Octun” مجرد عرض ضمن برنامج “ستريت جاز”، بل كان بيانا موسيقيا هادئا عن معنى الهوية حين تتحرر من الانغلاق، وعن معنى الحداثة حين تنبع من الداخل.
وبين أصوات البيانو والساكسوفون والترومبيت والكونترباص والإيقاعات، لم يكن عمر الواعر يرسم ملامح جاز تونسي فحسب، بل كان يقترح طريقة جديدة للإصغاء إلى الذات، وإلى العالم في آن واحد.
وحين انتهت المقطوعة الأخيرة، لم يغادر الجمهور المكان بسرعة. بقيت مجموعات صغيرة تتبادل الانطباعات، بينما ظل بعض الأطفال يقلدون حركات العازفين، وكأن الموسيقى تركت أثرها في المكان قبل أن تغادره.