بشعار “ذاكرة تعيش” يحافي مهرجان الحمامات الدولي بدورته الستين التي تلتئم في الفترة الممتدة من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026.
وفي ستينية المهرجان لا تستعيد الذاكرة الماضي ولا تستعرض أسماء صنعت مجد المهرجان بل تتجلى في برمجة
تحاول الموازنة بين الوفاء لهوية المكان والانفتاح على تحولات المشهد الفني المعاصر.
من المصافحة الأولى، تظهر البرمجة وكأنها تراهن على التنوع بوصفه قيمة مركزية، عبر 32 عرضًا من 12 دولة، تمتد بين المسرح والموسيقى والرقص، وبين أنماط جمالية متعددة تراوح بين الجاز، والفادو، والبلوز، والموسيقى الإلكترونية، والأغنية العربية، والمشاريع التراثية والتجارب البديلة.
ويحاكي هذا التنوع محاولة لرسم خريطة ذائقة فنية تشي بأن الجمهور جماهير، وهو توجه يتجلّى، أولًا، في الحضور العربي اللافت، وخاصة اللبناني والفلسطيني.
لبنان حاضر بقوة عبر ياسمين حمدان، ومارسيل خليفة، ويارا، وملحم زين، وآدم، وجوزيف عطية، وغسان يمين، وسندي لطي. هذا الحضور المكثف يعكس ربما استمرار الرهان على بيروت باعتبارها إحدى العواصم العربية الأكثر إنتاجًا للتنوع الموسيقي، من الأغنية التجارية إلى المشاريع الأكثر تجريبًا.
لكن داخل هذا الحضور نفسه، تظهر مفارقة مثيرة. فبين مارسيل خليفة بوصفه حاملًا لذاكرة الأغنية الملتزمة، وياسمين حمدان باعتبارها أحد وجوه الموسيقى العربية البديلة، وملحم زين وآدم بوصفهما امتدادًا للأغنية الجماهيرية، يبدو المهرجان وكأنه يرفض التصنيف التقليدي بين “الفن النخبوي” و”الفن الشعبي”، ويقترح أن يتجاورا داخل الفضاء نفسه.
الحضور الفلسطيني بدوره يحمل دلالة خاصة مع فرج سليمان، الذي لا يقدّم مشروعا موسيقيا فحسب، بل يشتغل منذ سنوات على تحويل تجربة المنفى والهوية والمدينة إلى لغة موسيقية معاصرة. وجوده إلى جانب أسماء من أجيال مختلفة يجعل من البرمجة أيضًا مساحة لسرديات عربية متعددة.
في المقابل، تبدو البرمجة الدولية أكثر انتقائية، فحضور ساليف كايتا ليس مجرد استضافة لفنان إفريقي كبير، بل استدعاء لذاكرة موسيقية كاملة صنعت جسورًا بين المحلي والعالمي. وكذلك الأمر مع ماريزا، التي تمثل الفادو البرتغالي، ذلك الفن القائم أصلًا على الحنين والمنفى والذاكرة، وكأن وجودها ينسجم مباشرة مع شعار الدورة.
أما The Buena Vista Orchestra فتمثل استحضارًا لروح كوبا الموسيقية، بينما يأتي ماريو بيوندي من فضاء السول والجاز الإيطالي ليضيف لونًا أقل حضورًا في البرمجات التونسية المعتادة.
لكن ربما الرهان الأوضح في هذه الدورة لا يوجد في الأسماء العالمية، بل في العروض التونسية الجديدة.
فالمهرجان يبدو واعيًا بأن استمراره لا يتحقق فقط عبر استضافة النجوم، بل عبر إنتاج ذاكرته القادمة، لذلك نجد مشاريع مثل “دوليشة” لبثينة نابولي و”صدى الأطلس” لعطيل معاوي” و”نوستالجيكا” لمهدي المولهي و”Live With Orchestra” لنور وسليم عرجون.
هذه المشاريع تمثل أشكالًا مختلفة من التفكير في الموسيقى، بعضها ينطلق من التراث، وبعضها من إعادة التوزيع، وبعضها من كتابة صوتية جديدة.
في المقابل، يلفت الانتباه الحضور المسرحي، وهو اختيار يذكّر بجذور مهرجان الحمامات الذي لم يُبنَ تاريخيًا كمهرجان موسيقي فقط.
ولئن كانت الدورات السابقة تستهل برمجتها بعروض مسرحية حديثة الإنتاج أو إنتاج المركز الثقافي الدولي بالحمامات، فإن “الهاربات” لوفاء الطبوبي تشكل الاستثناء.
كما أن إدراج مسرحيات أخرى على غرار “جاكراندا” و”هوما” و”روضة العشاق” وكوريغرافيا “لاباس” لسليم بن صافية يعكس محاولة للحفاظ على التوازن بين الفنون الركحية والموسيقى، في وقت أصبحت فيه معظم المهرجانات الكبرى تنزلق تدريجيًا نحو منطق الحفلات الجماهيرية.