“سافر إليك وغنّ” عرض موسيقي يجمع ستة أصوات عربية بقيادة أوركسترا واحدة، وفسيفساء من الأغنيات التي تنتمي إلى جغرافيات ولهجات وذاكرات مختلفة.
وهو محاولة لبناء حكاية كاملة من الأغنيات نفسها، حكاية يبدأ فيها السفر باعتباره مغادرة، ثم يتسع ليصبح غيابا، ويمر بالحنين والتيه والحب والبحث عن الذات، قبل أن يتحول إلى رحلة في الزمن والذاكرة، وصولا إلى الوطن بوصفه النقطة التي تنتهي عندها كل الطرق
العرض الذي اختتم الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، مساء الخميس 24 سبتمبر 2026 بقاعة الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، من تصوّر وتأليف الموسيقار والباحث الأكاديمي التونسي كريم ثليبي، وإنتاج اتحاد إذاعات الدول العربية، بإدارة إنتاج ربيع البلطاجي، وقيادة راسم دمّق للأوركسترا.
وفي هذا العمل تشارك ستة أصوات عربية جاءت من مصر وفلسطين والسودان وسلطنة عُمان والجزائر والكويت : حنين الشاطر، ويعقوب شاهين، ومأمون سوار الذهب، وفراس فايز، وكُسيلة أجراد وعبد الله طارق.
إلى جانب تنوع الأصوات التي تشكل ملامحها، تكمن فرادة التجربة في الطريقة التي اختار بها العرض أن ينظم هذا التنوع داخل رحلة واحدة.
ولم تأت الأغاني كسِير منقصلة، وسبقتها جمل قصيرة ظهرت تباعاً، أشبه بإشارات على طريق طويل، صنعت بينها صلة درامية وحوّلت البرنامج من تسلسل غنائي إلى سرد موسيقي.
“عند السفر، لا تكسر قلب من ودّعك.”، كلمات استهلت السفر في “سافر إليك وغنّ”، وقبل أن يبدأ اللحن، تجلت وصية، وقبل أن يتحرك المسافر في الجغرافيا، يتحرك في مشاعر من يتركهم خلفه.
ثم تنطلق “الحب اللي كان” لميادة الحناوي، بكلمات وألحان بليغ حمدي، لتضع الحب في أول الرحلة، متاعا لا يستطيع المسافر تركه عند باب الرحيل.
فالإنسان حين يسافر لا يحمل حقيبته وحدها، يحمل وجوها، وأصواتا، وأشياء لم يقلها، وأماكن لم يغادرها تماما.
ثم تأتي عبارات”سفرك ينادي النجم، ويبتعد… ويقيم الليل بعده.”، لتقود إلى “مضناك جفاه مرقده”، فتتحول المسافة إلى ليل، ويشكّل الغياب حالة زمنية كاملة، ويطول الليل لأن شخصاً ما غاب، ويستحيل النوم لأن الغائب حاضر في الذاكرة.
ويبدأ العرض في تفكيك معنى السفر، فالمسافر يبتعد، نعم، لكن من تركه خلفه لا يبقى في مكانه بالضرورة، إنه يسافر هو الآخر، في الانتظار والقلق والتذكر.
ثم تأتي “ليه تبعد عني وتشغلني؟” قبل “يا مسافر وحدك”، فيصبح السؤال أكثر مباشرة، وتنتفي الفردانية عن فعل السفر، إذ أن السفر لا يخص المسافر ومن تأثر بسفره.
هناك من يذهب وهناك من يبقى، لكن الاثنين يشتركان في الرحلة نفسها، وإن كان كل منهما يسلك طريقا مختلفا داخل الذاكرة.
ويتخذ السفر شكلا أكثر وضوحا، هو طريق مفتوح أمام فرد، ومساحة فارغة خلفه، غير أن العرض لا يسمح لهذا المعنى بأن يستقر طويلا إذ تأتي جملة “السفر هو التيه… إلى أعماقك المثقلة.”
وتنقلب الرحلة من الخارج إلى الداخل، ويتجلى تحول درامي مهم في العرض فالسفر لم يعد انتقالا من مدينة إلى مدينة، ولا مغادرة وطن إلى وطن، بل صار مواجهة مع الذات.
كلما ابتعد الإنسان عن المكان، اقترب من الأشياء التي حاول أن يهرب منها داخله، إنها مفارقة السفر الكبرى، فقد نقطع آلاف الكيلومترات بحثا عن مكان آخر، لنكتشف في النهاية أننا نبحث عن ذواتنا.
حين يصبح الرحيل شكلا من أشكال التحرر
في “ياك الجرح برا” يستمر أثر الجرح، لكن الرحلة لا تبقى أسيرة الألم، ثم تفتح “اخوي تومي” نافذة مختلفة، توسع الخريطة الموسيقية والوجدانية، وتخرج الرحلة من التجربة الفردية إلى مساحة أوسع من الذاكرة المشتركة.
“سافر… فأنت كالصقر، تمزّق وتطير.”، تتغير نبرة الرحلة، وبعد الوداع والغياب والسهر والتيه، يحيل السفر هذه المرة إلى القدرة على الانفلات ويصبح الرحيل احتمالا للتحرر.
وتتسع الموسيقى نفسها، وكما يغادر المسافر مكانه، تغادر الأغنية حدودها المحلية، وتنتقل بين أصوات عربية مختلفة، من لهجة إلى أخرى، ومن تقليد غنائي إلى آخر وتغدو الأوركسترا وسيلة سفر.
كل صوت يدخل إلى المشهد محملا بذاكرة موسيقية خاصة، لا تتقوقع على نفسها وتنفتح على الأصوات الأخرى وتبدو الأغنية جغرافيا من الاختلافات التي يمكن أن تلتقي من دون أن تفقد خصوصيتها.
“تروح، تعيا، وتولي… وين مسافر؟”، تتبدّى الجملة على الشاشة، وتبلغ الرحلة إحدى أكثر لحظاتها وضوحا ويظهر أن الذهاب ليس نهاية الطريق.
“تروح” فعل حركة، لكن “تولي” فعل عودة، وبينهما تعب، وتتسلل من بين النوتات ملامح دائرة يتحرك فيها السفرة، خروج، فمسافة، وإنهاك، ثم رجوع.
وتعكس العودة طبيعة الإنسان نفسه، قد يذهب بعيدا ليكتشف قيمة ما تركه، وقد يحتاج إلى المسافة حتى يرى المكان الذي كان يظنه عاديا.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال “وين مسافر؟” سؤالا يتجاوز الاتجاه ويصب في سيل من الأسئلة منها إلى أين يذهب الإنسان حين يقرر الرحيل؟ وما الذي يبحث عنه؟ وهل يعرف فعلاً
وجهته، أم أنه لا يكتشفها إلا بعد أن يقطع الطريق؟
ثم تأتي كلمات “سافر… ما عاد بدري، تدري العمر مرة.”، ومع “ما عاد بدري”، يدخل الزمن إلى الحكاية بقوة، ويتعدّى السفر مسافة بين مكانين، ليصبح مسافة بين أعمار الإنسان. فجأة يصبح الطريق أقصر من أن يحتمل التأجيل وينجح العرض في نقل السفر من الجغرافيا إلى الوجود.
العمر نفسه سفر، والسنوات محطات، وما نظنه وصولا قد لا يكون سوى محطة أخرى قبل الرحيل.
وقبل “وحياتي عندك”، يستعيد العرض لحظة الوقوف على أعتاب القلب، ويتراجع المكان أمام العلاقة فيما تطالع الأعين جملة ” راجع قلبك… قبل السفر… وحياتي عندك.”
فقبل أن يغادر الإنسان، ثمة شيء آخر ينبغي أن يراجعه، هو قلبه. فالرحيل الحقيقي لا يبدأ حين تتحرك القدم، وإنما حين يسأل الإنسان نفسه عمّا سيتركه خلفه، وعمّا سيأخذه معه.
وما تعجزه عنه الجغرافيا تجيده الأغنية حينما تختصر المسافة وتتراءى أطياف العشاق بين ثنايا جملة ” ما أحلى سلام الحب… ما بين ريد وريد.” قبل أن تتسرب كلمات “يسلم عليك العقل” وليش بطا مرسالك عنا”.
“يذوب الصمت وتتكلم أغانينا”، كانت الجملة التي سبقت أغنية مرسول الحب مفتاحا آخر للعرض كله، حيث صارت الأغنية لغة الرحلة السرية.
تتكلم عندما يعجز الإنسان عن الكلام، وتحفظ ما يهدده النسيان، وتمنح الغائب شكلا من الحضور في البناء الموسيقي الموشح بالموّال والتقسيم والارتجال.
والارتجال في الموسيقى العربية هو فعل استعادة، فحين يخرج الصوت عن الجملة المكتوبة إلى مساحة أوسع، فإنه يعيد إنتاج الماضي في الحاضر.
ويتجاوز الموال كونه مقدمة للأغنية ليشكل مساحة اعتراف، فيما يمثل التقسيم طريقة في الإصغاء إلى المقام، وإلى ما يمكن أن يقوله الصوت قبل أن يعود إلى اللحن.
وعلى نسق “سالمة يا سلامة” وحلوة يا بلدي” تتقدم الرحلة نحو الذاكرة الجماعية وتتغير طبيعة السفر مرة أخرى وتتسع دلالة الذاكرة ويتجلى سؤال على الشاشة “فاكرة يا بلدي؟” ويطل طيف داليدا مرددا ” قلبي مليان بحكايات”.
وقد تخيب المدن في احتوائنا لكن قلب الأم يفلح دائما، فكرة تتبلور فيما تظهر على الشاشة كلمات “ما بأحسّش بالبراح دا… إلا في قلبك يا أمي.”
وتبلغ الرحلة أكثر لحظاتها حميمية في “مهما خذتني المدن”، وبعد السفر في المسافات والذوات يعود الكل إلى أكثر الأمكنة أمانا، إلى حضن الأم.
وتدريجيا، يصبح الوطن أقل ارتباطا بالأرض وأكثر ارتباطا بالإحساس، وقد تكون المدينة واسعة، لكن القلب أوسع. وقد يملك الإنسان العالم كله، لكنه يحتاج إلى صوت واحد حتى يشعر بأنه عاد إلى مكانه.
“فلسطين… عنوان سفرك.”، جملة أخرى يتغير معها معنى الرحلة من جديد، وتتجلى فلسطين كذاكرة عربية تتجاوز الجغرافيا المباشرة لكل صوت، وتأتي “يا صلاة الزين” ضمن هذا الاقتراب من فضاء الموروث، قبل أن يبدأ العرض في دفع الرحلة نحو نهايتها الجماعية بأغنية “موطني”.
وبعد أن بدأ العرض بقلب يودع مسافرا، ومرّ بالحب والغياب والليل والتيه والتحرر والعودة والزمن والأم وفلسطين، يصل أخيرا إلى الموطن الذي يختصر الرحلة كلها. وبين شخص يغادر في البداية ووطن يؤويه في النهاية مسافة من الأغاني.
من التخت إلى الأوركسترا… سفر آخر
إلى جانب البناء الدرامي، تكمن خصوصية “سافر إليك وغنّ” في محاولة وضع الذاكرة الموسيقية العربية داخل بنية أوركسترالية واسعة.
فالتخت العربي، بما يتيحه من مرونة وحوار مباشر بين الآلات والصوت، يقف إلى جانب الأوركسترا بما تمثله من بناء وتوزيع وتعدد طبقات وانضباط جماعي.
ولا يبدو هذا التعايش مجرد اختيار جمالي، إنه جزء من السؤال الذي يحمله المشروع “كيف يمكن لموسيقى نشأت في فضاءات مختلفة، وتراكمت داخلها تقاليد المقام والموال والتقسيم والارتجال، أن تدخل في بناء أوركسترالي حديث من دون أن تتحول إلى مجرد مادة قابلة للتنسيق؟”
والتحدي هو أن تجعل الموسيقى العربية “أوركسترالية” وأن تجعل الأوركسترا قادرة على الإصغاء إلى خصوصية الموسيقى العربية.
فالفرق بين التخت والأوركسترا ليس فرقا بين القديم والحديث، ولا بين البسيط والمعقد، وإنما بين طريقتين في تنظيم الصوت.
التخت يقوم كثيراً على التفاعل والمرونة والتنفس المشترك، فيما تقوم الأوركسترا على تعدد الأصوات المكتوبة والتوزيع الدقيق والأداء الموسيقي الجماعي.
وحين يلتقي الاثنان، يتمحور السؤال حول مآل الروح الفردية عندما تدخل في جسد جماعي واسع؟
وجود الموال والتقسيم داخل هذا السياق مهم لأنه يترك مساحة للمغني والنفس والمقام واللحظة.
ستة أصوات… ست ذاكرات
تعدد الأصوات الستة لا يعني فقط تمثيل ست دول عربية، وإنما يعني وضع ست ذواكر صوتية داخل الرحلة نفسها.
حنين الشاطر تحمل معها تقاليد الغناء المصري، ويعقوب شاهين يحمل في صوته الذاكرة الفلسطينية، ومأمون سوار الذهب يأتي من فضاء الصوت السوداني، وفراس فايز يضيف خصوصية التجربة العُمانية، فيما يحمل كُسيلة أجراد امتداد الأغنية الجزائرية، ويأتي عبد الله طارق من فضاء الأغنية الكويتية والخليجية.
وبعيدا عن منطق الاختزال، وظف العرض الفوارق في تعامله مع مفهوم “الأغنية العربية” التي تتعدى الصوت الواحد والمقام الواحد واللهجة الواحدة.
الأغنية العربية أرشيف من الاختلافات التي تشترك في فضاء ثقافي واسع، لكنها لا تتطابق داخله، ليصبح تعدد الأصوات جزءاً من معنى السفر نفسه.
كل صوت يعبر من مكان إلى آخر، كل أغنية تعبر من ذاكرة إلى ذاكرة، وكل مستمع يعيد اكتشاف أغنية يعرفها عندما يسمعها داخل سياق جديد.
ومع ذلك، فإن كثرة الأغاني والانتقالات تظل مخاطرة في مثل هذه المشاريع.
فعندما تتعدد الأعمال والأصوات واللهجات والمقامات، يمكن للتنوع أن ينقلب بسهولة إلى استعراض واسع للرصيد الغنائي العربي، بحيث يصبح كل مقطع ناجحا بمفرده، لكن لا يجتمع بالضرورة مع المقاطع الأخرى في معنى واحد.
ما أنقذ “سافر إليك وغنّ” من هذا الاحتمال هو السرد والنصوص القصيرة التي سبقت الأغاني.
هذه الجمل لم تكن مجرد مقدمات، لقد قامت بوظيفة المونتاج الدرامي وقطعت المسافة بين أغنية وأخرى.
كما أعادت تعريف ما سمعناه، ودفعتنا إلى استقبال الأغنية التالية باعتبارها استمراراً للتي قبلها.وأدت الجملة دور “اللقطة” في السينما وأدت الأغنية دور المشهد، وتحرك العرض كله كفيلم لا تستخدم كاميرته الصورة، وإنما تستخدم الصوت.