تمثل السيادة الغذائية رهانا يتصل بقدرة البلاد على إدارة مواردها الطبيعية، وتأمين حاجياتها، وتطوير منظومات إنتاج قادرة على الصمود أمام الجفاف والتغيرات المناخية وضغوط الأسواق.
ومن هذا المنطلق، تطرح الدورة السادسة عشرة للصالون الدولي للاستثمار الفلاحي والتكنولوجيا “سيات 2026” مسألة الاستثمار في الفلاحة المتأقلمة والذكية، واضعة الابتكار والتمويل المستدام والتكنولوجيا في صلب النقاش حول مستقبل القطاع الفلاحي في تونس.
ويحتضن قصر المعارض بالكرم، من 28 إلى 31 أكتوبر الجاري، هذا الموعد الذي تنظمه وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية تحت شعار “نستثمر في فلاحة متأقلمة وذكية لنبني سيادة غذائية”، بمشاركة 155 عارضًا من تونس و11 دولة أجنبية، وفق المعطيات التي تم تقديمها خلال الندوة الصحفية الخاصة بالدورة.
وتحل السنغال ضيف شرف، في خطوة ترمي إلى تعزيز انفتاح الصالون على الأسواق الإفريقية وتطوير فرص التعاون والاستثمار.
ولا تقتصر أهمية هذا الحدث على عدد العارضين أو تنوع التجهيزات والتكنولوجيات المعروضة، وترتبط بقدرته على طرح أسئلة جوهرية بشأن التحول المطلوب في المنظومة الفلاحية التونسية.
هذه الأسئلة من قبيل كيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات المناخية إلى استباقها؟ وكيف تتحول الحلول التكنولوجية إلى أدوات فعلية لتحسين الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه؟ ثم كيف يمكن توفير التمويل اللازم للمشاريع المبتكرة، بما يضمن استمراريتها وقدرتها على الاستجابة لحاجيات الفلاحين؟
من الفلاحة التقليدية إلى منظومة إنتاج متأقلمة
يفرض التغير المناخي إعادة النظر في مقاربات الاستثمار الفلاحي، خصوصا في ظل محدودية الموارد المائية وتزايد الضغوط على الأراضي الزراعية.
ولم يعد تطوير الإنتاج مرتبطًا فقط بتوسيع المساحات المزروعة أو اقتناء التجهيزات، وأصبح رهين القدرة على اعتماد أساليب إنتاج أكثر كفاءة، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة الموارد، والبحث عن بدائل عملية تقلّص كلفة التأقلم مع التحولات المناخية.
وتعكس محاور “سيات 2026” هذا التوجه، من خلال تخصيص ورشات وعروض للتقنيات الحديثة ومستجدات البحث الفلاحي، تتناول تحلية المياه الجوفية، واستعمال المياه المعالجة لري الزراعات العلفية، وفرص الاستثمار في الزراعات المائية، إلى جانب تثمين مخلفات الواحات والحلول القائمة على الطبيعة والفلاحة الإيكولوجية.
وتكتسب هذه المحاور أهميتها من اتصالها المباشر بتحديات الإنتاج الفلاحي في تونس، حيث بات التصرف في المياه عاملا حاسما في استمرارية الأنشطة الزراعية والحد من هشاشة المشاريع أمام فترات الجفاف.
كما يفتح تثمين المخلفات الفلاحية المجال أمام تطوير مقاربات للاقتصاد الدائري، تقوم على تحويل الموارد التي لا يقع استغلالها بالشكل الكافي إلى مدخلات ذات قيمة اقتصادية.
ويتعلق الرهان بمدى ملاءمة هذه التقنيات للواقع المحلي وقدرة المستثمرين والفلاحين على اعتمادها. فنجاعة التكنولوجيا تقاس بنتائجها الميدانية، وبما توفره من اقتصاد في الموارد وتحسين في الإنتاجية، لا بمجرد حضورها في المعارض والمنتديات.
التمويل المناخي… من تشخيص المخاطر إلى إنجاز المشاريع
إذا كانت التكنولوجيا تتيح أدوات جديدة لمواجهة التغيرات المناخية، فإن التمويل يظل أحد الشروط الأساسية لتحويل هذه الأدوات إلى استثمارات فعلية. فالمشاريع الفلاحية القادرة على التأقلم تحتاج إلى موارد مالية تمكّنها من تطوير البنية التحتية، واعتماد تجهيزات مقتصدة للمياه والطاقة، وتجريب حلول مبتكرة، وتحمّل المخاطر المرتبطة بطبيعة النشاط الفلاحي.
وفي هذا السياق، يتضمن برنامج الصالون منتدى دوليًا حول التمويل المناخي من أجل فلاحة قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، موزعًا على خمس جلسات تتناول مخاطر المناخ وحاجيات الاستثمار، وفرص الصناديق المناخية والتمويل الأخضر، والأسواق الجديدة، وأسواق الكربون، والحلول القائمة على الطبيعة، فضلًا عن سبل إعداد مشاريع استثمارية قابلة للتمويل.
وتتجاوز أهمية هذا المنتدى تبادل المعارف حول آليات التمويل، إلى طرح مسألة النفاذ إليها، خصوصا بالنسبة إلى صغار المستثمرين وأصحاب المشاريع الذين قد تعترضهم صعوبات في إعداد الملفات الفنية والاقتصادية أو استيفاء شروط التمويل. فوجود صناديق وآليات تمويل لا يعني بالضرورة أن المشاريع الأكثر حاجة إليها قادرة على الاستفادة منها، ما يجعل المرافقة الفنية وإعداد المشاريع عنصرين مكملين لتوفير الموارد المالية.
ومن المنتظر أن يتيح الصالون كذلك فرصة للتعريف بآليات التمويل الأخضر والمناخي، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بربط الاستثمار بأهداف الاستدامة والقدرة على مواجهة المخاطر البيئية. وتبقى المسألة الأساسية في قدرة هذه الآليات على تمويل مشاريع ملموسة، ذات أثر قابل للقياس على استهلاك الموارد واستمرارية الإنتاج.
الشركات الناشئة… حين يصبح الابتكار رافعة للقطاع الفلاحي
يحضر الابتكار التكنولوجي ضمن هذه الدورة من خلال تنظيم النسخة الرابعة من مناظرة “Green’TIC”، الموجهة إلى أصحاب الحلول المبتكرة في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصال والذكاء الاصطناعي المطبقة في القطاع الفلاحي.
وقد تم اختيار 12 مترشحًا للمشاركة في المناظرة، على أن يقع تتويج أربعة منهم في ختام الصالون.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في تحويلها إلى حلول قابلة للاستخدام في الميدان، سواء تعلّق الأمر بالتصرف في الموارد، أو تحسين أساليب الإنتاج، أو تطوير الخدمات الموجهة إلى الفلاحين.
ويتمثل التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الناشئة في الانتقال من مرحلة التصور والتجريب إلى مرحلة التطبيق والتوسع. فالحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي لا يكتسبان قيمتهما من حداثتهما التقنية ومن قدرتهما على معالجة مشكلات فعلية، وتقديم خدمات تستجيب لحاجيات المستخدمين، وتظل قابلة للاعتماد ضمن الإمكانات الاقتصادية المتاحة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ربط أصحاب الحلول المبتكرة بالفلاحين والهياكل العمومية والمؤسسات الخاصة، بما يتيح اختبار هذه الحلول في ظروف العمل الفعلية. كما أن الاستفادة من تجارب المؤسسات الناشئة التي سبق أن طورت مشاريعها يمكن أن تساعد على بناء مسارات أكثر وضوحًا لدعم الابتكار، شرط ألا ينتهي دور المناظرات عند الإعلان عن الفائزين، بل يمتد إلى المرافقة والتجريب والتمويل والتسويق.
وتكتسب مشاركة الشباب أهمية إضافية في هذا المسار، باعتبارهم قادرين على الإسهام في تجديد أساليب العمل وتطوير الخدمات الفلاحية. غير أن تشجيع المبادرة لا ينفصل عن توفير بيئة تساعد على استمرارية المشاريع، وتسهيل النفاذ إلى التمويل والخبرة والأسواق، بما يحول الابتكار من فكرة واعدة إلى نشاط اقتصادي منتج.
فضاء المستثمر… اختبار نجاعة المرافقة الإدارية
إلى جانب التكنولوجيا والتمويل، يطرح الصالون مسألة مرافقة المستثمرين وتيسير إنجاز المشاريع، من خلال فضاء المستثمر الذي يجمع الهياكل المتدخلة في مختلف مراحل الاستثمار، من بلورة الفكرة ودراسة الجدوى إلى البحث عن التمويل والإنجاز.
وتبرز أهمية هذا الفضاء في ظل تعدد المتدخلين في مسار بعث المشاريع الفلاحية، وما قد يرافقه من إجراءات إدارية وتمويلية وفنية. فالمستثمر يحتاج، إلى جانب التمويل، إلى معلومات واضحة حول الإجراءات والتراخيص والحوافز المتاحة، وإلى مرافقة تساعده على تجاوز الصعوبات التي قد تعطل المشروع أو ترفع كلفته.
ويتيح حضور ممثلي الهياكل العمومية والمالية وهياكل الإحاطة والمساندة فرصة لتقريب الخدمات من أصحاب المشاريع، فيما يمكن أن تسهم اللقاءات الثنائية في تحديد حاجيات المستثمرين وربطهم بالشركاء المحتملين.
لكن نجاح هذه المبادرات يظل مرتبطًا بمدى استمرارية المرافقة بعد انتهاء الصالون، وقدرة الهياكل المعنية على متابعة الملفات وتنسيق تدخلاتها. فتبسيط الإجراءات لا يتحقق بجمع المتدخلين في فضاء واحد، وإنما يتطلب مسارات واضحة للاستجابة إلى الطلبات ومعالجة الإشكاليات، حتى لا يبقى التواصل ظرفيًا ولا تتوقف المشاريع عند حدود النوايا.
السنغال والأسواق الإفريقية… توسيع أفق الشراكة
ويحمل اختيار السنغال ضيف شرف لهذه الدورة بُعدًا يتجاوز المشاركة الرمزية، بالنظر إلى ما يمكن أن تتيحه الأسواق الإفريقية من فرص لتطوير المبادلات والاستثمار المشترك في الفلاحة والصناعات الغذائية.
وفي هذا السياق، يتضمن برنامج الصالون لقاءات للشراكة الفلاحية، سجلت نحو 50 مطلب مشاركة وفق المعطيات المقدمة، بهدف تنظيم لقاءات ثنائية بين الفاعلين الاقتصاديين بحسب مجالات الاهتمام المشترك. ومن المنتظر أن تتناول هذه اللقاءات آفاق تطوير الشراكة التونسية السنغالية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيات، واستكشاف فرص التعاون الاقتصادي.
ومن المفترض٠ أيضًا توقيع اتفاقية تعاون بين وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، بما يفتح المجال أمام مزيد بحث فرص الاستثمار وتمويل المشاريع الفلاحية.
وتتصل أهمية هذه الشراكات بإمكانية توسيع الأسواق أمام المنتجات والخدمات الفلاحية، وتطوير التعاون في مجالات الإنتاج والتحويل الغذائي والتكنولوجيا. غير أن ترجمة هذا الانفتاح إلى نتائج اقتصادية تتطلب تحديد مشاريع مشتركة، وتوضيح آليات تنفيذها وتمويلها، وبناء علاقات تعاون تتجاوز اللقاءات الأولية نحو استثمارات مستدامة.
من التظاهرة الاقتصادية إلى الأثر الفلاحي
تجمع الدورة السادسة عشرة من “سيات” بين العرض التجاري والابتكار والتكوين والتمويل والشراكات، في محاولة لتقديم صورة متكاملة عن التحولات التي يحتاجها القطاع الفلاحي. كما توفر فضاءً للتعريف بالتجهيزات والخدمات الفلاحية، والمنتجات المحلية، وحلول المؤسسات الناشئة، وفرص الاستثمار المتاحة.
لكن الرهان الأوسع يبقى في قدرة هذه المكونات على الالتقاء ضمن رؤية عملية، تجعل من التكنولوجيا أداة لتحسين الإنتاج، ومن التمويل وسيلة لتوسيع الاستثمار، ومن المرافقة الإدارية عاملًا لتيسير الإنجاز، ومن الشراكات مدخلًا لفتح الأسواق وتبادل الخبرات.
فالسيادة الغذائية لا تتحقق بالشعارات أو بتطوير الإنتاج بمعزل عن بقية حلقات المنظومة، وإنما تحتاج إلى سياسة استثمارية تراعي ندرة الموارد، وتدعم قدرة الفلاحين على التأقلم، وتربط البحث العلمي بحاجيات الميدان، وتضمن للمشاريع المبتكرة فرصًا حقيقية للنمو.