يتجاوز وصول صوت هند رجب للمخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى القائمة النهائية لجوائز الأوسكار مجرّد التتويج لمسار مهرجاني، والانتصار التقني أو الإنتاجي، ليغدو لحظة كثيفة الدلالة في تاريخ الصورة الفلسطينية المعاصرة؛ لحظة تتقاطع فيها السينما مع الشهادة، والفن مع الذاكرة، والاعتراف العالمي مع جرح لم يندمل بعد.
وفي هذا الفيلم تشتغل كوثر بن هنية، على الحدّ الفاصل بين التوثيق والتمثيل، بين أثر الصوت ومسؤولية الصورة واختيارها لعنوان “صوت هند رجب” ليس بريئا ولا توصيفيا فحسب؛ هو بيان جمالي وأخلاقي في آن.
فالصوت، هنا، ليس وسيلة تواصل، بل بقايا حياة، وارتعاشة وجود، وأثر إنساني يقاوم الفناء.
ووصول الفيلم إلى القائمة القصيرة للأوسكار يعكس تحوّلا مهما في موقع السينما الفلسطينية داخل المنظومة العالمية.
ولم تعد هذه السينما تُقرأ فقط بوصفها “سينما قضية”، بل بوصفها سينما تمتلك لغتها الخاصة، وحساسيتها السردية، وقدرتها على تحويل المأساة إلى بناء فني، يفرض مواجهة أخلاقية مع المتلقي.
وقوة الفيلم لا تنبع فقط من موضوعه، بل من طريقة معالجته فبن هنية لم تُحوّل الطفلة إلى رمز مُجرّد، بل أعادت للضحية فردانيتها وصوتها.
من الناحية الصناعية، يُسجّل الفيلم لحظة نضج واضحة في مسار الإنتاج العربي-الفلسطيني المشترك، خاصة مع حضور أسماء إنتاجية عالمية بارزة.
هذا التلاقي بين الرؤية الفنية والدعم المؤسسي الذكي هو ما يجعل وصول الفيلم إلى الأوسكار نتيجة منطقية لا مفاجأة عابرة.
لكن الأهم من كل ذلك، أن صوت هند رجب يضع الأكاديمية، والجمهور العالمي معها، أمام سؤال أخلاقي لا فني فقط: ماذا نفعل حين يصلنا صوت الضحية بوضوح؟ هل نكتفي بالتصفيق، أم نعيد التفكير في علاقتنا بالصورة، وبالسياسة، وبالإنسان؟
هنا تحديدا تكمن قوة الفيلم وقلقه معًا: إنه لا يطلب إجابة، بل يترك السؤال معلقا، مزعجا، وملحا.
في هذا السياق، يمكن قراءة وصول الفيلم إلى القائمة القصيرة بوصفه اعترافا متأخرا ومترنحا، لكنه مهم، بأن السينما الفلسطينية لم تعد على هامش المشهد العالمي، بل في قلبه؛ لا كاستثناء إنساني، بل كفاعل جمالي قادر على إعادة تعريف معنى “الفيلم الأجنبي” نفسه.
فحين يكون الصوت فلسطينيا، والجرح إنسانيا، تسقط الحدود، وتبقى السينما.
لقراءة المزيد عن الفيلم إليكم الرابط