تُعد قربة من أبرز الحواضن المسرحية في تونس، وارتبط اسمها بمسرح الهواة وبمهرجانه الوطني الذي تحوّل إلى موعد قار في المشهد الثقافي التونسي.
غير أن واقع عدد من الجمعيات المسرحية بالجهة يطرح اليوم أسئلة تتجاوز حدود النشاط الفني لتصل إلى أبسط شروط العمل والاستمرار.
من بين هذه الجمعيات، تجد جمعية نجوم المسرح بقربة نفسها أمام وضع صعب، إذ تصارع من أجل ألا يتوقف نشاطها في ظل غياب أبسط الظروف الملائمة لاستغلال مقرها، من ماء وضوء وتجهيزات ضرورية للعمل.
ولم يتوقف الأمر عند تعطل النشاط، إذ تلقت الجمعية، وفق ما أفادت به، برقية من المعتمد تقضي بإخلاء المقر.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الجمعية المحافظة على حضورها المسرحي، تواصل الاشتغال على عمل موجه للأطفال في مقر آخر، لكن هذه المحاولة لا تخلو، بحسب القائمين عليها، من ضغوطات وصعوبات كبيرة، في ظل غياب فضاء قار يمكن أن يحتضن التدريبات ويضمن الحد الأدنى من الاستقرار للفنانين والمنخرطين.
وقد راسلت الجمعية المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية في محاولة لإيجاد مخرج لهذا الوضع، وكان من بين المقترحات المطروحة إمكانية ممارسة نشاطها داخل دار الثقافة بقربة.
غير أن هذا الحل يطرح بدوره إشكالا يتعلق بالتوقيت الإداري، إذ ترى الجمعية أن ساعات العمل المتاحة لا تتلاءم بالضرورة مع طبيعة النشاط المسرحي ولا مع أوقات المنخرطين، خاصة أن جزءا كبيرا من الممارسين ينشطون خارج أوقات العمل والإطار الإداري المعتاد.
المسألة، بهذا المعنى، لا تتعلق فقط بالعثور على قاعة، وإنما بالسؤال الأوسع: كيف يمكن لجمعية مسرحية أن تواصل نشاطها إذا لم يتوفر لها فضاء للتدريب، وتوقيت ملائم، وشروط أساسية للعمل؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر حين يتعلق الأمر بمدينة مثل قربة، التي لا يمكن فصل هويتها الثقافية عن المسرح. فالمسرح في قربة ليس نشاطا طارئا أو تجربة وليدة السنوات الأخيرة، بل هو جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها الثقافي، ومنه خرجت تجارب وأسماء ساهمت في ترسيخ مسرح الهواة في تونس.
ولا تبدو الصعوبات حكرا على جمعية نجوم المسرح. فـجمعية مهرجان قربة الوطني لمسرح الهواة تواجه هي الأخرى جملة من الصعوبات، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول واقع الجمعيات المسرحية في المدينة، وحول مدى قدرة البنية الثقافية المتوفرة حاليا على استيعاب النشاط المسرحي المستمر، لا فقط التظاهرات الموسمية.
فحين تكون المدينة التي ارتبط اسمها بمسرح الهواة عاجزة عن توفير شروط الاستمرارية لجمعياتها، تتجاوز المسألة وضعية جمعية أو مقر.
فالأمر يتعلق بتقليد مسرحي تشكل عبر عقود، وبمسؤولية المؤسسات الثقافية والمحلية في حماية هذا الرصيد وتمكين الفاعلين فيه من مواصلة العمل.
والجمعيات، اليوم، لا تحتاج بالضرورة إمكانات استثنائية، بقدر ما تحتاج إلى فضاء صالح، وتوقيت واقعي، وحوار مؤسساتي يضع استمرارية النشاط الثقافي ضمن أولوياته.
فقربة التي صنعت لنفسها مكانا في ذاكرة المسرح التونسي تحتاج إلى توفير شروط تسمح لجيل جديد من المسرحيين بأن يصنع مستقبله فوق الخشبة.