في يوم شتوي شبه عادي، لا خيارات مُثلى أمامي للعودة إلى المنزل، إما حافلة تكاد تنفجر من فرط الاكتظاظ، أو مترو أبوابه مفتوحة على كل الاحتمالات، أو نقل جماعي يكاد يعانق السماء مع كل اهتزاز.
ولتلافي إمكانات التحرش والسرقة وسماع ما تيسر من الألفاظ البذيئة ولتحاشي الوحدة الوطنية في أكثر تجلياتها كاريكاتورية، كانت محطة النقل الجماعي وجهتي.
في باب الخضراء تكدس المواطنون في انتظار وسيلة نقل تقلهم إلى منازلهم وعلى وجوههم أمائر الامتعاض والسخط على منظومة نقل تحاول عبثا أن تنتفض من اهترائها.
بين كل الخطوات التي تمخر المكان جيئة وذهابا لكسر رتابة الانتظار، تشبثتُ بذراع زميلتي وولينا وجهنا شطر باب العسل حيث لاحت لنا سيارة نقل جماعي يكسر صفارها سواد الليل.
كانت خطواتنا بطيئة بما يكفي لنبلغها وقد غصت كل كراسيها بمواطنين أرهقهم الانتظار، وأغشتنا أضواؤها وهي تلف الأرض لفا حتى أننا لم نكد ننتمثّل السيارة التي اصطفت مكانها.
سيارة بيضاء طمست العتمة ملامحها وحتّمت التوجه لسائقها بالسؤال ” الانطلاقة؟”، نعم، الوجهة مع نبرة التساؤل هي الصيغة المتداولة للأسئلة التي تخص وجهة السيارة في مثل هذه الحالات.
هز السائق برأسه نعم، والتقط لافتة كُتب عليها “الانطلاقة باب العسل” في سطرين منفصلين، تصديقا لجوابه الصامت، واخترتُ وزميلتي مقعدين ولم ننتظر كثيرا حتى امتلأت كل الكراسي.
في عرف النقل الجماعي، تتحول المساحة الجانبية المتاخمة للباب وتلك الملتصقة بالمقعدين الأمامين إلى مقاعد ويمرق المكان كله عن منطق العدد والمعدود.
من باب العسل، طوى السائق الأرض طيا حتى يخيل إليك أن السيارة تطير وأن عجلاتها لا تلامس الأرض، ولا تغادرك التهيؤات إلا حينما يرتطم رأسك بسقفها وحينما يصطدم جذعُك بالمقعد مع كل عناق مع حفرة أو مطب.
فجأة ودون سابق إنذار، تتضاعف السرعة وترتج السيارة أكثر فأكثر مع صوت السائق وهو يخاطب شابا يجلس في المقعد الذي يقع خلفه “موتور المرور يتبع فينا” (دراجة شرطة المرور تلاحقنا).
في تلك اللحظات، تظافرت كل العناصر ليبدو المشهد سينمائيا بلا منازع، والسائق يتبع تعليمات الشاب وهو يمضي به في طريق لا يعرفه إلا هو، كأن غير مألوف للجميع.
“يمين يسار طول طول.. ما تاقفش (لا تتوقف)” يسير السائق وفق الطريق التي رسمها “الخبير” الذي استنجد به ولا ينفك يردد أن الدراجة مازالت تلاحقه.
وفي كل مرة يأتي الرد قاطعا “لا تتوقف”، كانت نبرة الشاب واثقة وحاسمة بما يكفي لينصاع له السائق الذي بدا مع تدفق الوقت وكأنه شخصية في لعبة فيديو تعانق ساقه دوّاسة البنزين دون تفكّر.
كانت السرعة جنونية حتى أن دليله اضطر لأن يخبره أكثر من مرة بضرورة عتق دواسة البنزين قليلا، ولكنه لا يبالي ويكتفي بتنفيذ خط السير الذي يمليه عليه، بل إنه يضغط على زمور السيارة وهو يستعجل سيارة أمامه ليتوارى في أحد الممرات.
لا يتوقف الدليل عن رسم خطة الهروب ولا يخفف السائق ثقل قدمه على الدوّاسة وضغط أصابعه على الزمور ويواصل الركاب في الخلف وعلى اليمين لمزي لأمرر ثمن السفرة إلى السائق.
أتسلم الورقات النقدية من فئة العشرة دنانير الواحدة تلو الأخرى، أسلمها إلى الدليل الذي يسلمها بدوره إلى السائق وتواصل السيارة ركضها الجنوني والسائق يعد القطع النقدية ليعيد ما تبقى لكل راكب.
المضحك أن عملية العد لم تكن مستعصية، وسط المطاردة التي استحالت بفضل “خبرة” الدليل بالطريق وأننا جميعنا كنا نراقب التفاصيل بإمعان ونحن ننتظر “الباقي”.
وفي ذروة التركيز تسلل صوت السائق “الموطور ماعادش ورانا” (كفت الدراجة عن ملاحقتنا) وعقبه صوت الدليل خف على الاكسيليراتور” (اكبح السرعة قليلا) وخفت صوت المحرك قليلا.
وبعد أن أفلح في الهرب من شرطة المرور طلب من الدليل أن يتصل بزميل له حتى يتلافى الموقف نفسه ويعبر من خط سير آمن دون أن يضطر إلى المراوغة.
وبعد أن عادت للمكان واقعيته، اتضح أن الدليل لم يكن سوى سائق نقل جماعي راكم خبرة في الممرات الملتوية التي لا تدركها دراجات المرور وكأنها فتحات في جدران سحرية.
“والله ما خفتش على الكرهبة بش يفكوها… خفت عليكم انتم بش تبقوا ملوحين” (لم يخفن أن الشرطة ستحجز السيارة، بل خفت أن تبقوا في العراء)، قال بنبرة منفتحة على كل التأويلات.
على وقع كلماته نظرنا إلى بعضنا البعض وابتسم كل منا ابتسامة مبهمة، وعلا صوت امرأة “باقي العشرة لاف” وتواتر علي باقي ثلاث ورقات من نفس الفئة وكان الدليل وسيطا بيني وبين السائق.
في كل مرة كنت أرجع فيها الباقي إلى أصحابه أبتسم ابتسامة من رد الأمانة، وأتفحص النظرات وأبني في مخيلتي مسارات لكل شخصية وأشكر الصدفة التي جعلتني أركب نقلا غير مرخص دون إضمار!
* الأحداث جدت يوم 09 فيفري 2026
*تم توليد الصورة بأدوات الذكاء الاصطناعي