لا يحسم “جنجون” (عمر الطويهري) جديده الغنائي “لحبيبة” وجهة الحنين، ولا يرسم للمستمع ملامح واضحة لمن يكتب. امرأة بعيدة؟ وطن ترك المسافة تكبر بينه وبين أبنائه؟ أم أن الاثنين التقيا في وجع واحد؟
منذ الكلمات الأولى، يفتح الفنان التونسي باب التأويل على مصراعيه، ويحوّل الغياب إلى مساحة تتقاطع فيها العاطفة مع الاغتراب والذاكرة.
“لحبيبة”، الصادرة يوم 28 أوت 2026 تنتمي إلى الأعمال التي لا تكتفي برواية حكاية عاطفية وتجعل من الحنين لغة قائمة بذاتها. فالمخاطَب في الأغنية يبدو في البداية قريبًا من صورة المحبوبة التي طال انتظارها، غير أن تفاصيل النص سرعان ما تدفع نحو قراءة أخرى، يصبح فيها الوطن حاضرا في الظل، كأنه الحبيب الأكبر الذي لا تكفي المسافات لقطع الصلة به.
يكتب جنجون باللهجة التونسية، مستندًا إلى مفردات يومية وبسيطة، لكنه يمنحها حمولة وجدانية تتجاوز معناها المباشر.
ويتخطى الانتظار تعداد الوقت، ويتجاوز البعد المسافة جغرافية، ويتحولان إلى حالة يعيشها شخص وجد نفسه أمام قدر لم يختره، يحاول أن يتصالح معه دون أن يتخلى عن تعلقه بما تركه وراءه.
وفي قلب الأغنية، تتجاور الخيبة مع الرضا، وكأن الراوي لا يبحث عن تفسير لما حدث بقدر ما يحاول مواصلة الطريق على إيقاع إحساس بأن الحياة دفعت به في اتجاه لم يكن يريده، وأن ما بقي له هو الذاكرة والحب وبعض الكلمات التي يحتمي بها من ثقل المسافة.
وتتسع دائرة المعنى كلما تقدمت الأغنية، ولا تبدو صورة الشخص المنعزل، الذي يراقب الأيام وهي تتعاقب بعيدا عن الناس، حكرا على تجربة عاطفية. إنها صورة يمكن أن يستحضرها كل من عاش الغربة، وكل من وجد نفسه عالقا بين مكانين، مكان يحتضنه لكنه لا يشبه تماما ما يحلم به، ومكان يحبه رغم ما تركه فيه من خيبات.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة “لحبيبة” في كونها لا تفرض قراءة واحدة، فجنجون لا يقول للمستمع إن المقصود امرأة أو بلد، ولا يغلق الباب أمام أي احتمال. يترك النص معلقا بين المعنيين، حتى يصبح لكل مستمع “حبيبته” الخاصة، سواء كانت وجها ينتظره، أو وجها، أو مدينة، أو وطنا ابتعد عنه.
موسيقيا، يظل جنجون وفيا لعالم الراب الذي شكّل جزءا أساسيا من تجربته، لكنه يختار هذه المرة مسارا أكثر هدوءا، يمنح الصوت والكلمة موقعا متقدما. لا تسعى الموسيقى إلى منافسة النص، بل ترافقه وتفسح له المجال كي يصل بإيقاعه العاطفي.
وفي “لحبيبة” يحضر الحب بوصفه قدرة على الاستمرار رغم المسافة، إنه حب يجاور التعب، ويتعايش مع الخسارة، ويقاوم الزمن دون ادعاء الانتصار عليه. لذلك تبدو الأغنية، في جانب منها، حكاية عن الانتظار، لكنها في جانب آخر حكاية عن الإنسان حين يجد نفسه مضطرا إلى قبول ما لم يختره.
وما يمنح العمل امتداده الإنساني هو الالتباس الجميل بين الخاص والعام، فالحكاية قد تبدأ من قلب شخص يشتاق إلى شخص آخر، لكنها سرعان ما تتسع لتشمل أسئلة الغربة والانتماء والرحيل.
ومن هذه المنطقة الرمادية تستمد أغنية “لحبيبة” قدرتها على ملامسة تجارب مختلفة، لأن المستمع يجد نفسه أمام مرآة يمكن أن يرى فيها شيئا من حكايته.