في عالم تتسارع فيه التحولات الدولية وتتشابك فيه المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، يظل سؤال الموقع الجغرافي من أكثر الأسئلة إلحاحا عند محاولة فهم مصائر الدول ومسارات الشعوب. وفي هذا السياق يأتي كتاب “خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق: قراءة في تأثير جغرافية مضيق صقلية على تاريخ وحاضر ومستقبل البلاد التونسية” للكاتب والباحث السياسي التونسي ماجد البرهومي، الصادر حديثا عن دار خريف للنشر، ليقدم قراءة مختلفة لمكانة تونس في التاريخ وفي النظام الدولي المعاصر، مستندا إلى عنصر ظل حاضرا في كل مراحل تشكل الدولة التونسية وتطورها: الجغرافيا.
لا يقدّم البرهومي في مؤلفه الجديد سردا تاريخيا تقليديا للأحداث التي مرت بها البلاد التونسية، بل يذهب أبعد من ذلك محاولا بناء تفسير شامل لعدد من المحطات الكبرى في تاريخ المنطقة انطلاقا من موقع تونس في قلب البحر الأبيض المتوسط، وتحديدا من علاقتها بمضيق صقلية الذي يفصل بين إفريقيا وأوروبا ويصل بين شرقي المتوسط وغربه.
ومنذ الصفحات الأولى يعلن المؤلف عن الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب، وهي أن جزءا مهما من النخب والرأي العام في تونس أخطأ طويلا في تقدير عناصر القوة الحقيقية للبلاد. فبينما يربط البعض أهمية تونس بوقوعها بين الجزائر وليبيا، يرى الكاتب أن هذا التفسير يبقى سطحيا ولا ينسجم مع حقائق التاريخ والجغرافيا والعلاقات الدولية.
فالبلدان لا تكتسب أهميتها الاستراتيجية من مجرد وجودها قرب الثروات الطبيعية أو بين دول غنية بالمحروقات، بل من قدرتها على التحكم في الممرات الحيوية وعلى التأثير في حركة التجارة والملاحة والتواصل بين الأقاليم الكبرى. ومن هذا المنطلق يعتبر البرهومي أن مفتاح فهم تونس يوجد في مضيق صقلية أكثر مما يوجد في حقول النفط والغاز المجاورة.
الجغرافيا باعتبارها قدرا تاريخيا
يبدو الكتاب في جانب منه دفاعا عن مدرسة فكرية عريقة في العلوم السياسية تعتبر أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية صامتة للأحداث، وإنما هي أحد أهم العوامل الموجهة لمسار التاريخ. ويحاول المؤلف إثبات هذه الفكرة من خلال تتبع علاقة تونس بالمضيق عبر مختلف الحقب التاريخية. فمن قرطاج إلى الأغالبة، ومن الحفصيين إلى الحسينيين، ومن مرحلة الاستعمار إلى الدولة الوطنية الحديثة، ظل الموقع الجغرافي عاملا حاسما في رسم حدود القوة والضعف، وفي تحديد طبيعة التهديدات والفرص التي واجهتها البلاد.
ولا يخفي البرهومي إعجابه بالدور الذي لعبته الجغرافيا في صناعة أمجاد قرطاج، معتبرا أن الإمبراطورية القرطاجية لم تكن لتصبح القوة البحرية الأولى في غرب المتوسط لولا إشرافها المباشر على الممرات البحرية الحيوية وعلى رأسها المجال المرتبط بمضيق صقلية. ومن خلال هذه القراءة يبدو التاريخ القرطاجي وكأنه أول دليل على أن تونس لم تكن في يوم من الأيام بلدا هامشيا أو معزولا، بل كانت في قلب التفاعلات الدولية التي عرفها العالم القديم.
من أسد بن الفرات إلى حمودة باشا مرورا بالشابي
من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه لا يحصر اهتمامه في فترة تاريخية بعينها، بل يمتد على مساحة زمنية واسعة تربط بين العصور القديمة والوسطى والحديثة. فالمؤلف يتوقف طويلا عند تجربة الأغالبة وفتح صقلية بقيادة أسد بن الفرات، وهي محطة يعتبرها لحظة مفصلية في تاريخ المتوسط وفي تاريخ تونس على وجه الخصوص. وبنظره لم يكن فتح الجزيرة مجرد انتصار عسكري أو توسع جغرافي، بل كان استعادة لمجال استراتيجي لطالما ارتبط بالمجال التونسي منذ العهد القرطاجي.
وبالمقابل يولي الكتاب أهمية كبيرة لفترة فقدان صقلية وما ترتب عنها من تحولات عميقة أثرت في موازين القوى بالمنطقة. حيث انتقلت التهديدات تدريجيا من الجزيرة نحو السواحل التونسية، وهو ما مهد لصراعات طويلة بين القوى الأوروبية والقوى الإسلامية على السيطرة على وسط المتوسط لعل أهمها فترة الغزو النورماندي والصراع العثماني الإسباني على تونس وبروز الإمام عرفة الشابي وأتباعه ودفاعهم عن البلد بوجه الغزاة.
كما يتوقف المؤلف عند شخصية حمودة باشا الحسيني التي تحظى بمكانة خاصة في الكتاب. إذ تم اعتباره أحد أبرز الحكام الذين نجحوا في استثمار الموقع الاستراتيجي لتونس وتعزيز استقلالية القرار الوطني والدفاع عن المصالح البحرية والتجارية للبلاد.
قراءة مختلفة لتاريخ التدخلات الأجنبية
أحد الجوانب اللافتة في الكتاب يتمثل في محاولته إعادة تفسير أسباب الاهتمام الخارجي بتونس عبر العصور. فخلافا للقراءات التي تركز على العوامل الاقتصادية أو الأيديولوجية، يرى البرهومي أن الجغرافيا كانت دائما العامل الأكثر ثباتا وتأثيرا.
فالرومان والعثمانيون والإسبان والفرنسيون وغيرهم لم ينظروا إلى تونس باعتبارها مجرد رقعة جغرافية على هامش المتوسط. وإنما نظروا إليها باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية قادرة على التأثير في التوازنات الإقليمية.
ومن هذا المنظور يعيد الكتاب قراءة الاحتلال الفرنسي لتونس. كما يعيد قراءة الصراعات الدولية التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين، وصولا إلى معركة الجلاء واستمرار الاهتمام الغربي بالبلاد خلال العقود اللاحقة.
تونس في قلب المتوسط لا على هامشه
لعل أكثر ما يميز هذا العمل هو محاولته تحرير المخيال التونسي من صورة البلد الصغير المحاصر بالمشكلات. فالكاتب يصر على أن تونس توجد في قلب أحد أهم المجالات الجيوسياسية في العالم، وأن قربها من أوروبا ومن أهم خطوط الملاحة الدولية يمنحها إمكانات استراتيجية لا تتوفر لكثير من الدول.
ويذهب إلى حد اعتبار تونس وإيطاليا معا “هبة مضيق صقلية”، في استعارة تستحضر مقولة هيرودوت الشهيرة حول مصر بوصفها “هبة النيل”. وإذا كانت إيطاليا قد نجحت تاريخيا في تحويل هذا الموقع إلى عنصر قوة ونفوذ، فإن السؤال الذي يطرحه الكتاب يتمثل في كيفية تمكين تونس من استغلال الموقع نفسه لتحقيق نهضتها الاقتصادية وتعزيز مكانتها الدولية.
الهجرة والاقتصاد ومستقبل المضيق
لا يقتصر الكتاب على تحليل الماضي، بل يولي أهمية خاصة لقضايا الحاضر والمستقبل. ومن بين الملفات التي يناقشها ملف الهجرة غير النظامية عبر المتوسط، حيث يربط بين تصاعد هذه الظاهرة وبين الخصائص الجغرافية للمضيق الذي تحول إلى أحد أكثر المعابر حساسية بين القارتين.
كما يتناول الإمكانيات الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالموقع التونسي، داعيا إلى تطوير رؤية استراتيجية تجعل من البلاد منصة لوجستية وتجارية بين إفريقيا وأوروبا. وفي هذا الإطار يقترح المؤلف التفكير في مشاريع كبرى للربط والتكامل الاقتصادي بين ضفتي المتوسط، بما يسمح بتحويل الجغرافيا من مجرد عنصر ثابت إلى مصدر دائم للقوة والتنمية.
تواصل الانشغال بقضايا الدولة ومحيطها
يأتي هذا الإصدار ضمن مسار فكري وبحثي متواصل للكاتب ماجد البرهومي، رجل القانون والباحث السياسي الذي سبق أن أصدر عددا من الكتب والدراسات تناولت قضايا الدولة الوطنية والتحولات السياسية في المنطقة العربية. ومن أبرز أعماله كتاب “بورقيبة الحاضر الغائب”، وكتاب “معضلة الديمقراطية في ليبيا”، وكتاب “القضية الفلسطينية في مائويتها الثانية من سايكس بيكو إلى الربيع العربي” الذي شارك فيه إلى جانب نخبة من الكتاب والباحثين العرب.
وفي كتابه الجديد يواصل البرهومي اهتمامه بالقضايا الاستراتيجية، لكن من زاوية مختلفة تضع الجغرافيا في صدارة عناصر التحليل، وتدعو إلى إعادة اكتشاف المكانة الحقيقية لتونس في محيطها الإقليمي والدولي. وبالتالي يمثل “خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق” أكثر من مجرد كتاب في التاريخ أو الجغرافيا السياسية، إنه دعوة إلى إعادة النظر في صورة تونس عن نفسها، وإلى استعادة الثقة في عناصر القوة التي صنعت مجدها عبر القرون. فالدول التي تدرك قيمة موقعها وقدراتها الكامنة تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها وصياغة مستقبلها، أما التي تجهل أوراق قوتها فإنها تترك للآخرين مهمة تعريفها وتحديد مكانتها في العالم.
هارون المالكي