في الخارج، كان المطر يبلّل أزقّة المدينة العتيقة، وداخل النادي الثقافي الطاهر الحداد، كانت الأوتار تنسج إيقاعاً موازياً لحركة المدينة.
وسط الجدران التي تختزن ذاكرة ثقافية وفكرية، كان العازف التركي محمت أمين بتماز يفتح على عوده مسارات موسيقية تتقاطع فيها خصوصية المدرسة التركية مع امتدادات الموسيقى الشرقية.
كان العرض استعادة لتقاليد عريقة واختبارا لما يمكن أن تمنحه هذه التقاليد من إمكانات تعبيرية. ومنذ الجمل الأولى، بدا العود في يد بتماز أداةً لبناء المعنى الموسيقي.
تتقدّم النغمة، وتتلوّن، ثم تنحرف عن مسارها لتعود إليه محمّلة بتوتّر جديد، في تشكيل يبرز أهمية العلاقة بين حركة الريشة وانتقالات الأصابع على زند العود.
فالتفاصيل الصغيرة في طريقة التقاط الوتر، وفي طول النغمة أو اختصارها، تؤدّي وظيفة تقنية وتسهم، أيضا، في صياغة العبارة الموسيقية وتحديد مزاجها.
ويتيح العود التركي، بما يرتبط به من نظام مقامي وطرائق أداء خاصة، مجالا واسعا للتنقّل بين درجات النغم الدقيقة، بما فيها المسافات التي لا تستوعبها دائماً القسمة المتساوية للسلم الموسيقي الغربي.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها حين ننصت إلى الموسيقى التركية في علاقتها بالموسيقى العربية. فالتشابه بين بعض المقامات لا يعني تطابقها في البناء أو في طريقة تطوير الجملة اللحنية.
قد تتقاطع العوالم المقامية، لكن لكلّ مدرسة طرائقها في الانتقال بين الدرجات، وفي إبراز النغمات المحورية، وفي صناعة التوتّر قبل الوصول إلى الاستقرار.
في عزف بتماز، يتقدّم هذا الحوار من داخل الآلة نفسها ولا يغير العود هويته حين ينتقل بين هذه العوالم، لكنّ طريقة استثمار إمكاناته تتبدّل وفق منطق الجملة الموسيقية.
ويصبح الانتقال المقامي أكثر من عبور بين نغمات، إنّه تغيير في اتجاه العبارة وفي طبيعة التوتّر الذي تحمله. وتتشكّل بذلك مساحة تأمل تكشف أنّ المشترك بين الموسيقتين لا يلغي الفروق ويمنحها فرصة الظهور في سياق واحد.
ومن التفاصيل التقنية التي تستحقّ الإصغاء، الطريقة التي تتشكّل بها الجملة بين النغمة الممتدّة والتتابعات الأسرع. فحين يترك العازف للنغمة مجالاً كي تستقرّ، يمنح الأذن وقتاً لالتقاط لونها وامتدادها، قبل أن ينتقل إلى حركة أكثر كثافة.
وحين تتسارع حركة الريشة، تتكاثف النغمات وتتغيّر وظيفة العود من حمل اللحن إلى بناء حركة داخلية تتقدّم فيها الجملة عبر التكرار والتطوير.
هذا التفاوت بين الامتداد والتكثيف هو أحد العناصر التي تمنح الأداء تنفّسه، وتمنع المهارة التقنية من التحوّل إلى استعراض منفصل عن البناء الموسيقي.
ولا تقلّ أهمية الإيقاع عن المقام في تشكيل هذه التجربة إذ يتعلق بكيفية توزيع النبرات، وبالمساحات التي يتركها العازف بين عبارة وأخرى، وبقدرته على تأخير الإحساس بالحسم أو دفع الجملة إلى الأمام.
وبين انتظام الضربات ومرونة الأداء، تتولّد حركة تجعل السماع فعلا نشطا إذ تتلقّى الأذن لحنا جاهزا وتتابع كيف يتشكّل ويتحوّل ويعيد ترتيب علاقاته الداخلية.
وتأتي حركة جسد بتماز لتواكب هذا البناء ويبدو ميل الجذع، وإيماءات الرأس، وتفاعل الذراع مع تغيّر كثافة العزف، امتداداً جسدياً للعبارة الموسيقية.
وحين تتكثّف الحركة، يكتسب الأداء اندفاعا بصريا يوازي الاندفاع الصوتي، وحين تهدأ، تستعيد النغمة مساحتها.
وقيمة هذه الحركات تكمن في حضورها المسرحي وفي علاقتها بما يجري على الأوتار:
فهي تؤكّد النبض وتواكب تصاعد الجملة وتمنح الانفعال شكلاً مرئياً.
ويصبح الجسد جزءاً من تجربة العزف فيما تبحث الموسيقى مساحة أوسع للحرية. لكنّ الحرية في العزف المقامي لا تعني الانفلات من القواعد، إنّها القدرة على التحرّك داخلها، وتأجيل الوصول إلى القرار، وتطوير فكرة لحنية أو العودة إليها من زاوية مختلفة. فالارتجال، حين يكون متصلاً بمنطق المقام، يقوم على معرفة دقيقة بمساراته ونقاط ارتكازه، وعلى موازنة بين ما يتوقّعه المستمع وما يفاجئه به العازف.
وتنشأ حيوية الأداء، من اكتشاف احتمالات البنية غير المستنفدة.
وإذا كان اللقاء بين المدرسة التركية والفضاء الموسيقي الشرقي يفتح سؤال الهوية، فإنّ الإجابة لا تكمن في البحث عن امتزاج كامل بين الأسلوبين.
فالتقارب الموسيقي لا يقتضي محو الفوارق، كما أنّ الحفاظ على خصوصية المدرسة لا يعني الانغلاق داخلها.
الأهمّ هو ما يحدث في المسافة بينهما، كيف تتجاور طرائق الأداء، وكيف تتقاطع الحساسيات المقامية، وكيف يستطيع العازف أن يتيح لهذا التعدّد الظهور من دون أن يحوّله إلى خليط يفقد كلّ عنصر فيه ملامحه.
وعند هذا المستوى، يكتسب المكان دلالته ففي النادي الثقافي الطاهر الحداد، حيث تتقاطع ذاكرة المدينة العتيقة مع تاريخ من النقاش الثقافي والفكري، بدا حضور العود التركي امتداداً لوظيفة الثقافة في فتح المجال أمام تجارب مختلفة.
كان المكان يتجاوز خلفية للعرض إلى فضاءً يضاعف معنى اللقاء بين تقاليد موسيقية تتجاور عبر التاريخ، وتواصل إعادة اكتشاف بعضها بعضاً عبر الأداء الحي.
في الخارج، كان المطر يفرض إيقاعه على المدينة، وفي الداخل، كان العود يختبر إيقاعاً آخر، إيقاعاً تتداخل فيه النغمة والسكوت، والصرامة المقامية وحرية التعبير، والمهارة التقنية والحركة الجسدية.