“ديما نتحرّج شوية من مسألة التكريمات، وهذا يعرفو سي معز، لأنه فيها عدة التباسات في المسائل التشريفية هكذا مش واضحة علاش ولواش وفاش قام، ولكن عند إصرار صديقنا معز المرابط قبلت، لا سيما وقت اللي عرفت اللي هو تزامنا مع تكريم رفيق الدرب محمد إدريس…”.
تجاوزت كلمات الفنان توفيق الجبالي، أثناء تكريمه في افتتاح الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي “مواسم الإبداع”، التعبير عن تحفظه المعروف إزاء طقوس الاحتفاء والتكريم.
وتحولت إلى لحظة استعادة لاسم محمد إدريس، رفيق الدرب الذي اختار أن يهدي إليه تكريمه، مستحضرا ما اعتبره غدرا وخيانة طالت رجلا قال إنه انتشل آخرين من الأمية والذل.
وبين التحفظ عن التكريم وقبوله، مساحة تتجاوز المجاملة فأن يقبل الجبالي تكريمه لأنه يتزامن مع الاحتفاء بمحمد إدريس، وأن يجعل من لحظته الخاصة مساحة للاعتراف بأحد رفاق الدرب المسرحي يعيد الاعتبار إلى معنى آخر للتكريم.
لا يتعلق الأمر بالأوسمة وحدها، وإنما بما يتركه الفنان في مسارات الآخرين، وبما يستقر من أثره في ذاكرتهم. ولعل في هذه الشهادة ما يفتح نافذة على جانب من سيرة محمد إدريس.
محمد إدريس الكاتب والممثل والمخرج وأحد الأسماء التي ارتبطت بمحطات مهمة من تاريخ المسرح التونسي، فنانا وإداريا ومؤسسا، عادت سيرته إلى الواجهة من خلال مبادرة فنية وتوثيقية أنجزتها الفنانة أميرة الزيلي، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية.
“محمد إدريس: مايسترو الفن”، معرض ينسج ملامحه من صور ووثائق من أرشيف الفنان، ويحاول إعادة وصل الحاضر بذاكرة مسرحية تشكلت عبر عقود من العمل والتجريب وإدارة المؤسسات وصناعة التجارب.
من التمثيل إلى الإخراج… مسار بدأ سنة 1961
تعود البدايات الفنية لمحمد إدريس إلى سنة 1961، حين دخل عالم المسرح ممثلا كوميديا هاويا، قبل أن ينتقل إلى الاحتراف.
كانت الخشبة آنذاك فضاء لاكتشاف إمكانات التعبير وبناء العلاقة مع الجمهور، ومنها انطلق مسار امتد على عقود، وتعددت خلاله مواقع اشتغاله بين التمثيل والإخراج والكتابة والإدارة الثقافية.
وقد زاول إدريس تعليمه في تونس وباريس، في تجربة جمعت بين محيطين ثقافيين وتكوينيين مختلفين، وأسهمت في بناء خلفيته الفنية.
ولم يبق حضوره محصورا في حدود الأداء، إذ اتجه تدريجيا إلى الإخراج، حيث أصبح العرض المسرحي مجالا لترجمة رؤيته للعلاقة بين النص والركح والممثل والجمهور.
ومن أبرز الأعمال التي حملت توقيعه الإخراجي “إسماعيل باشا” سنة 1986، و”يعيشو شكسبير” سنة 1988، ثم “المتشعبطون” سنة 2005. وهي محطات من تجربة فنية تستحق القراءة في سياق التحولات التي عرفها المسرح التونسي، وفي ضوء انتقال إدريس بين أشكال مختلفة من الاشتغال المسرحي، دون أن تنفصل تجربته الإبداعية عن انشغاله بالشأن الثقافي الأوسع.
فالمسرح بالنسبة إلى محمد إدريس كان فضاء لإنتاج العروض ومجالا تتقاطع فيه الرؤية الفنية مع أسئلة التنظيم والتكوين واستمرارية الفعل الثقافي.
وقد اتسعت تجربته لتشمل مواقع ومسؤوليات جعلت اسمه حاضرا في أكثر من مستوى من مستويات الحياة المسرحية التونسية.
المسرح الوطني… مسؤولية إدارة مرحلة
في سنة 1988، تولى محمد إدريس إدارة المسرح الوطني التونسي، وظل على رأس هذه المؤسسة إلى سنة 2011. وهي فترة تمتد على أكثر من عقدين، ارتبط خلالها اسمه بإحدى أهم المؤسسات المسرحية في البلاد، وبمرحلة طويلة من تاريخها الإداري والفني.
وكانت إدارة مؤسسة بحجم المسرح الوطني مسؤولية تسييرية، تضع صاحبها أمام أسئلة متصلة بمستقبل المسرح وإمكانات إنتاجه، وبالعلاقة بين الفنانين والمؤسسة الثقافية، وبين حاجات التجارب الإبداعية وشروط استمرارها.
فالمؤسسة المسرحية تشمل إنتاج العروض، بالإضافة إلى ما تتيحه من فرص للتجريب، وما توفره من إمكانات للعمل والتكوين، وبقدرتها على احتضان المواهب وتطوير المشهد.
ومن هذا الموقع، أصبح إدريس جزءا من تاريخ المسرح الوطني، فنانا اعتلى الخشبة وأخرج الأعمال وأحد الذين تولوا مسؤولية إدارة المؤسسة خلال مرحلة طويلة.
وهي زاوية أساسية في قراءة مسيرته، لأنها تكشف عن انتقاله من صناعة العرض إلى الاشتغال على شروط إنتاجه واستمراره.
وفي سنة 2005، أسس المركز الوطني لفن السيرك، في مبادرة فتحت المجال أمام شكل آخر من أشكال التعبير الأدائي، ووسعت دائرة الاهتمام بالفنون التي تتقاطع فيها الحركة والجسد والمهارة والتعبير البصري.
ويكشف هذا المشروع عن اهتمام بأشكال الأداء خارج الحدود التقليدية للمسرح، وعن تصور أوسع للممارسة الفنية باعتبارها فضاء متعددا للابتكار والتجريب.
كما تولى رئاسة أيام قرطاج المسرحية، المهرجان الذي يمثل موعدا مهما للقاء التجارب المسرحية التونسية والعربية والإفريقية والدولية، بما يتيحه من حوار بين المدارس والرؤى الفنية، ومن فرص للاطلاع على تحولات المسرح وأسئلته في سياقات ثقافية مختلفة.
وتشكلت مسيرة محمد إدريس من تجربة فنية فردية ومن تداخل أدوار متعددة، الممثل والمخرج والكاتب، ومدير المؤسسة، والمساهم في تأسيس فضاءات جديدة للفنون الأدائية. وهو تداخل يجعل من قراءة تجربته مدخلا لفهم جانب من تاريخ المسرح التونسي وتحولاته.
“مايسترو الفن”… حين تتحول الذاكرة إلى عمل فني
المعرض الذي يحمل عنوان “محمد إدريس: مايسترو الفن”، تحضر السيرة من خلال صور ووثائق تستعيد محطات من حياة فنان ارتبط اسمه بأجيال وتجارب ومؤسسات بعيدا عن السرد الزمني الجاف.
وتصبح الوثيقة هنا أكثر من أثر أرشيفي، إنها شاهد على زمن مسرحي، وعلى علاقات مهنية وإنسانية، وعلى مراحل من تاريخ ثقافي لا يمكن اختزاله في أسماء العروض وتواريخ تقديمها.
واختيار صفة “مايسترو الفن” عنوانا للمعرض يستدعي صورة الفنان الذي ينسق بين عناصر متعددة ويمنحها إيقاعا وانسجاما. وهي صورة تكتسب دلالتها من تعدد المواقع التي شغلها إدريس في مسيرته، ومن انتقاله بين الخشبة وإدارة المؤسسات والمساهمة في تأسيس فضاءات فنية جديدة.
لكن المعرض لا يكتفي باستعادة الصور والوثائق، ويذهب إلى مقاربة أخرى للذاكرة من خلال أعمال تشكيلية ونحتية مستوحاة من مسيرته، أنجزها الفنانون حمزة موسى وندى شاهد وسيف بن حماد وأمينة عبيدة.
وتتحول السيرة من مادة للتوثيق إلى منطلق لإبداع فني جديد، يقرأ أثر الشخصية المحتفى بها ويعيد صياغته بلغة بصرية وتشكيلية.
إن استحضار تجربة فنان عبر أعمال فنية مستلهمة من مسيرته يفتح المجال أمام تعدد القراءات، فيتعدّى المعرض استعراض لمراحل ماضية، وإنما يصبح مساحة للتفاعل بين ذاكرة الفنان وذاكرة من يتأملون تجربته.
وقد شهد افتتاح المعرض حضور عدد من المسرحيين والمبدعين والفاعلين في الحقل الثقافي، إلى جانب أفراد عائلة محمد إدريس وشخصيات عايشت تجربته وشاركت في محطات من مسيرته.
وكان اللقاء مناسبة لاستعادة ذكريات جمعت أجيالا من الفنانين، ولإعادة فتح صفحات من تاريخ المسرح التونسي عبر شهادات من عاصروا تلك التجربة أو تقاطعت مساراتهم معها.
بين الاعتراف والذاكرة… ما الذي يبقى من الفنان؟
ربما كانت شهادة توفيق الجبالي أكثر من لحظة مؤثرة في حفل الافتتاح، لأنها أعادت إلى الواجهة أسئلة لاتنفصل عن تاريخ الحياة الثقافية وهي كيف نعترف بمن أسهموا في بناء التجارب الفنية، وفتحوا المسارات أمام غيرهم؟ وما الذي يبقى من العلاقات التي صنعتها سنوات العمل المشترك حين تتغير المواقع وتتبدل الأزمنة؟
حين تحدث عنه الجبالي، استحضر اسما مسرحيا واستعاد علاقة إنسانية ومهنية تختزن سنوات من التجربة المشتركة.
وحين أشار إلى ما اعتبره غدرا وخيانة، وضع لحظة التكريم في سياق أكثر تعقيدا من الاحتفاء الرسمي، مذكرا بأن مسارات الفنانين لا تتكون من النجاحات وحدها، وأن الذاكرة قد تحمل أيضا عتبا وأسئلة عن الوفاء والإنصاف.
ولعل أهمية هذه الشهادة أنها نقلت الاحتفاء بمحمد إدريس من مستوى تعداد المناصب والأعمال إلى مستوى الأثر الإنساني والفني.
فلا يمكن اختزال الفنان في سيرته الذاتية، ولا في عدد العروض التي أخرجها أو المؤسسات التي أدارها، فهو أيضا ما تركه في الآخرين، ومن خلال التجارب التي ساهم في إنضاجها، والفضاءات التي ساعد على فتحها أمام أشكال جديدة من التعبير.
وفي هذا السياق، تتجاوز قيمة معرض “محمد إدريس: مايسترو الفن” حدود الاحتفاء بشخصية مسرحية، لتطرح مسألة حفظ الذاكرة الثقافية بوصفها مسؤولية تتطلب أكثر من استعادة المناسبات والأسماء.
فالتوثيق يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على ما أنجزه السابقون، لكنه يفرض أيضا ضرورة قراءة التجارب ونقدها ووضعها في سياقها التاريخي والفني، حتى لا تتحول الذاكرة إلى مجرد صور معلقة على الجدران.
منذ بداياته ممثلا كوميديا هاويا سنة 1961، مرورا بتجربته الاحترافية والإخراجية، وصولا إلى إدارته المسرح الوطني التونسي بين 1988 و2011، وتأسيسه المركز الوطني لفن السيرك سنة 2005، ورئاسته أيام قرطاج المسرحية، تتعدد محطات محمد إدريس وتتداخل أدواره. وهي سيرة لا تقف عند حدود الفنان الذي اشتغل على الخشبة، بل تمتد إلى رجل ارتبط اسمه بمؤسسات ومسارات من تاريخ المسرح التونسي.
وفي “مواسم الإبداع”، اجتمعت الوثيقة والعمل التشكيلي والشهادة الإنسانية لتعيد هذا الاسم إلى دائرة الضوء.
وبين معرض يستحضر مسيرة “مايسترو الفن”، وكلمة توفيق الجبالي التي اختارت الوفاء لرفيق الدرب على حساب الاكتفاء بالاحتفاء الشخصي، تبدت الذاكرة المسرحية التونسية وهي تستعيد أحد وجوهها.
ويتواصل المعرض إلى غاية 30 جانفي 2027، ليتيح للزوار فرصة الاطلاع على محطات من مسيرة محمد إدريس، واكتشاف صفحات من ذاكرة المسرح التونسي، في انتظار أن تتحول هذه المبادرة التوثيقية إلى مساحة أوسع لقراءة التجارب التي صنعت تاريخ الركح التونسي، والإنصات إلى شهادات أصحابها ومن عاصروها.