في فيلمه الوثائقي «الأسود على نهر دجلة» يعود المخرج الكردي العراقي زرادشت أحمد إلى الموصل، لا ليروي وقائع الحرب، بل ليستنطق ما تركته خلفها : مدينة تبحث عن روحها بين الركام، وبشر يحاولون ترميم ذاكرتهم كما يرممون بيوتهم.
ومن تفصيل معماري، أسود حجرية على باب بيت أثري، تتفتح أسئلة كبرى عن الهوية والذاكرة والمعنى.
عن ولادة الفكرة، واختيار الشخصيات، ودور الموسيقى، وحدود التدخل السينمائي في فيلم شديد الحساسية، تحدث المخرج مع رياليتي في الحوار التالي :
«الأسود على نهر دجلة»… الشاعرية تظهر من العنوان؟
العنوان مستوحى من محور الفيلم. الأحداث تدور حول الأسود الحجرية، لكن هناك معنى آخر؛ فالأسود رمز للشجاعة والإقدام والبطولة.
متى أدركت أن الأسود الحجرية يمكن أن تتحول من تفصيل معماري إلى قلب للفيلم؟
بدأت العمل بالبحث عن الفكرة ومعالجتها منذ أيام كوفيد عام 2020. فكرة الأسود بالشكل الذي رأيناه في الفيلم بدأت تتضح في نهاية 2021، حين وجدت الشخصيات وكانت مهيأة لتكون أساسية في الفيلم. استغرق التصوير تقريبا ثلاث سنوات ونصف.
لماذا عدت إلى الموصل بعد سنوات من انتهاء المعارك؟ هل كنت تبحث عن «مدينة ما بعد الحرب»، أم عن بشر يحاولون العيش داخل صدمة لم تنتهِ؟
سؤال جميل. الموصل جرح مفتوح. هي ثاني أكبر مدينة في العراق، وسقوطها كان لغزا وكارثة. حاولنا أن نفهمه. كانت لدي فكرة أخرى، لكن عندما وقفت في الموصل ورأيت الدمار، وخصوصا في المدينة الأثرية التراثية، قررت أن أبدأ من هناك. وجدت البيت والأسود. كان هناك شخص يعيش في البيت، وكانت هناك شِباك صيد. عرفنا أن البيت يعود لصياد، وصاحب البيت كان يعيش بين الركام. التقينا به، وكذلك بالموسيقار فاضل والأستاذ فخري، وهم الشخصيات المحورية في الفيلم.
شخصيات الفيلم لا تنتمي إلى خطاب سياسي أو أيديولوجي واضح، كيف اخترتها؟
في اختيار الشخصيات أحببت أن أتجنب السياسة. الإنساني هو ما يجمعهم. المعاناة مشتركة؛ كلهم من المدينة نفسها، لديهم تاريخ فيها، وتضرروا، وعاشوا سنوات صعبة تحت نظام داعش. الأستاذ فخري سافر إلى أربيل، لكن مصائرهم جميعا مشتركة.
الصراع على الأسود الحجرية بدا دراميا ومفتوحا على التأويل، إلى أي حد تدخلت سينمائيا في تشكيله؟
الأستاذ فخري جامع آثار، وهناك صراع بينه وبين صاحب البيت على الأسود. لكن في الواقع، هذه القصة هي صورة لما حدث للمدينة نفسها.
الموسيقى في افتتاح الفيلم تأتي وسط الركام، كيف بنيت هذه اللحظة بصريا وعاطفيا؟
للموسيقى أدوار أساسية. الأستاذ فاضل شخصية محورية في الفيلم؛ يعزف الكمان والعود. استخدمنا الكمان لتقديم الشخصيات، فهو ينهل من المدينة وله رمزيته. العود آلة شاعرية نوستالجية شرقية عراقية، وهو في العراق آلة مقدسة. عزف العود بحد ذاته يحمل عاطفة وشجنا وحنينا، وفيه نوع من الملانكوليا العراقية الأصيلة. وجود الأستاذ فاضل كان مهما جدا لإعطاء هذه المكانة للموسيقى.
كل تفاصيل الفيلم مدروسة، وهناك توازن بين عناصره، حتى تبدو الأسود وكأنها تخرج من الصمت ؟
لا مكان للصدفة في الأفلام المدروسة، وخصوصا في «الأسود على نهر دجلة». التوازن ضروري، خاصة بين صاحب البيت والأستاذ فخري جامع التحف. إذا أضفت على إحدى الشخصيتين ما يضعفها أو يجعلها تبدو شريرة، يختل المعنى. فخري ليس شريرا؛ هو مشترك مع صاحب البيت في الهدف، لكنهما يختلفان في الأسلوب. التوازن مهم لكي تأخذ كل شخصية مكانها. هذا فيلم حساس، لأن هؤلاء الناس فتحوا لك بيوتهم وقلوبهم ووثقوا بك. شاهدوا الفيلم، وسافروا معي، وما زالت بيننا علاقة محبة.
يشار إلى أن الفيلم العراقي "الأسود على نهر دجلة" للمخرج زرادشت أحمد قد حازت على التانيت الفضي في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة الماضية من أيام قرطاج السينمائية، بالإضافة إلى جائزة لينا بن مهني لحقوق الإنسان في الجوائز الموازية.