بقلم أيمن اليزيدي*
مع انطلاق النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، تتجدد الأسئلة بشأن الضرائب الجديدة، والجهات التي ستتحمل أعباءها، وما الذي ستقدمه الدولة في المقابل. غير أن النقاش الأهم لا يتعلق فقط بحجم الجباية أو بمقدار العجز الذي تسجله الميزانية، بل بقدرة السياسة المالية على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فهل تستند الاختيارات المالية في تونس إلى رؤية تنموية واضحة، أم أنها أصبحت تركز أساسًا على توفير الموارد وتغطية الحاجات المتزايدة للدولة، دون معالجة كافية للأسباب التي تعيد إنتاج الأزمة؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ظل تجدد الاحتجاجات وتنوع مطالبها. ففي 17 أكتوبر 2026، شهدت العاصمة تحركًا احتجاجيًا واسعًا شاركت فيه أطراف نقابية ومدنية وسياسية، ورفع المشاركون خلاله مطالب تتعلق بالحريات والحقوق والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويكشف هذا التداخل بين المطالب أن الاحتقان العام لا يمكن اختزاله في عامل واحد، لكنه يطرح مجددًا مسألة العلاقة بين السياسات العمومية والقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين. تقوم الميزانية العامة على مبادئ قانونية ومحاسبية تهدف إلى ضمان وضوح الموارد والنفقات، وانتظام التصرف في المال العام، وإخضاع الاختيارات المالية للرقابة والمساءلة. غير أن احترام هذه المبادئ لا يكفي وحده لضمان نجاعة الإنفاق أو تحقيق التنمية. فالمشكلة ليست في النقاش حول الضرائب بحد ذاته، بل في محدودية النقاش بشأن السياسات المالية ككل.

يؤدي اختزال النقاش العام حول الميزانية في الإجراءات الجبائية وتوزيع الأعباء، على حساب مساءلة أولويات الإنفاق ونتائجه التنموية، وإلى تهميش وظيفة الميزانية في توجيه السياسات العامة. ويتعمّق هذا الخلل عندما تغيب المعطيات الواضحة، أو تُطرح بدائل دون تحديد كلفتها ومصادر تمويلها وآثارها المتوقعة، في سياق تتصاعد فيه الخطابات الشعبوية. عندها، لا يعود الغموض مجرد قصور في التواصل، بل يتحول إلى عامل يفاقم الشكوك ويقوّض الثقة في السياسات العامة.
من يحدد الخيارات المالية، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟
نظريًا، لا تُصاغ الميزانية العامة من خلال الحسابات الفنية وحدها، بل يفترض أن تكون حصيلة تفاعل بين القرار السياسي والخبرة الإدارية والمالية والرقابة البرلمانية والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية. وتؤدي وزارة المالية دورًا مركزيًا في إعداد التقديرات وتحديد الموارد والنفقات، فيما تضطلع الحكومة ورئاسة الجمهورية بأدوار في رسم التوجهات العامة، ويُفترض أن يمارس البرلمان دوره في مناقشة المشروع ومراقبة الخيارات والمصادقة عليها. كما يُفترض أن تسهم المنظمات المهنية والنقابية والخبراء ومكونات المجتمع المدني في إثراء النقاش وتقديم البدائل. غير أن هذا التصور النظري لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الأطراف تتمتع بقدرة متكافئة على التأثير في القرار الفعلي؛ إذ يظل السؤال متعلقًا بمدى انعكاس تعدد الفاعلين على الخيارات النهائية، وبمدى خضوع الأولويات المالية للمناقشة والمساءلة.
وتكمن المسألة الأساسية في التمييز بين المشاركة في النقاش والقدرة على التأثير في القرار. فإبداء الرأي في مشروع الميزانية لا يعني بالضرورة أن المقترحات البديلة تجد طريقها إلى الاختيارات النهائية. كما أن وجود خبرة إدارية ومالية متخصصة لا يضمن وحده أن تكون الأولويات المعتمدة متصلة بحاجات الاقتصاد والمجتمع؛ إذ يتوقف ذلك أيضًا على طبيعة الأهداف السياسية، وآليات التنسيق بين المؤسسات، ومدى خضوع النتائج للمساءلة.
تتمثل المسألة الأساسية في التمييز بين المشاركة في النقاش العام والقدرة الفعلية على التأثير في القرار. فما تزال المقاربة البيروقراطية للمالية العمومية تميل إلى التركيز على التوازنات المحاسبية وتعبئة الموارد، دون ربطهما بالضرورة برؤية تنموية واضحة. كما أن مشاركة البرلمان الحالي في مناقشة الميزانية وتقديم المقترحات لا تعني بالضرورة قدرته على تغيير التوجهات المالية الكبرى، لا سيما عندما تُوصَف بعض مقترحاته بالشعبوية، مثل مقترح “سيارة لكل عائلة” في سياق مناقشة قانون المالية لسنة 2026. ولا تتعلق الإشكالية بطبيعة هذه المقترحات وحدها، بل أيضًا بمدى إخضاعها لنقاش جدي يستند إلى تقدير كلفتها ومصادر تمويلها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن ربط المشاركة المؤسساتية بالتأثير الفعلي في القرار والمساءلة عن نتائجه.
ولا يكفي توفر الخبرة الإدارية والمالية لضمان ارتباط الخيارات المعتمدة بحاجات الاقتصاد والمجتمع، إذ يتوقف ذلك أيضًا على الأهداف السياسية، ومدى التنسيق بين المؤسسات، والمساءلة عن النتائج. وفي هذا السياق، صرّح الرئيس قيس سعيّد، أواخر ديسمبر 2021، بأنه أمضى مرسوم قانون المالية لسنة 2022 رغم عدم اقتناعه ببعض خياراته، وهو ما يطرح تساؤلًا حول العلاقة بين المواقف السياسية والمسؤولية عن القرارات المالية. ويتجدد هذا التساؤل في ظل خطاب السيادة المالية والاعتماد على الموارد الذاتية وتخفيف الضغط الجبائي، مقابل استمرار اللجوء إلى الاقتراض. فمشروع قانون المالية لسنة 2027 يقدّر النفقات بنحو 68.895 مليار دينار، مقابل إيرادات في حدود 54.280 مليار دينار، بعجز مبرمج يبلغ 14.615 مليار دينار، فيما تُقدّر الإيرادات الجبائية بنحو 49.6 مليار دينار. وفي الوقت نفسه، صادق البرلمان الحالي، منذ انتخابه سنة 2023، على عشرات اتفاقيات القروض، من بينها قروض خارجية، بما يطرح سؤالًا حول مدى التناسق بين خطاب التعويل على الذات والممارسة المالية الفعلية. ولا يعني الاقتراض في حد ذاته انتقاصًا من السيادة، لكنه يصبح موضع مساءلة عندما لا ينعكس توظيفه على الاستثمار المنتج وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتقليص الحاجة إلى مزيد من التداين. وبذلك، لا يقتصر التحدي على تعبئة الموارد وتغطية النفقات، بل يشمل أيضًا مدى اتساق التصريحات مع القرارات، وقدرة السياسات المالية على تحقيق التنمية وتخفيف الأعباء عن المواطنين وبناء استقلال مالي أكثر استدامة.

ورغم أن هذه الأرقام تظل تقديرات واردة في مشروع الميزانية وليست نتائج محققة، فإنها تبيّن استمرار الفجوة بين الموارد والنفقات، وتطرح تساؤلًا حول مدى اتساق خطاب السيادة المالية والاعتماد على الذات والخيارات المعتمدة فعليًا، خاصة في ظل تواصل اللجوء إلى الاقتراض منذ انتخاب البرلمان الحالي سنة 2023. ولا يعني الاقتراض في حد مشكلا، لكن تقييمه يقتضي النظر في أوجه توظيفه ومدى مساهمته في الاستثمار المنتج وتقليص الحاجة إلى التداين مستقبلًا، وتناسقه مع الخطاب الرئاسي الرسمي. كما أن تخفيف العبء الجبائي لا يتحقق بمجرد الإعلان عنه، بل يستوجب توضيح البدائل التمويلية والجهات التي ستتحمل كلفة الاختيارات المعتمدة والنتائج المنتظرة منها.
وعليه، لا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية الخبرة الفنية أو الانضباط المالي، بل بمدى اندماجهما ضمن رؤية تنموية واضحة تخضع للمساءلة. فالمعيار لا يقتصر على كيفية إعداد الأرقام أو ضبط التوازنات، بل يشمل أيضًا من يحدد الأولويات، وما البدائل التي تُستبعد، ومدى التناسق بين التصريحات السياسية والقرارات الفعلية، ثم ما تحققه هذه القرارات من نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
الاختيارات المالية وحدود الرؤية التنموية منذ 2011
لم تنجح الميزانيات المتعاقبة منذ 2011 في تحويل المطالب الاجتماعية والجهوية إلى نتائج اقتصادية تتناسب مع انتظارات التونسيين. فبينما شهدت البلاد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واسعة، ظل التحول الاقتصادي محدودًا، واستمرت صعوبات التشغيل وضعف الاستثمار والتفاوت بين الجهات. ولم يكن الإشكال في نقص الموارد وحده، بل أيضًا في غياب ترابط كافٍ بين الاختيارات المالية وأهداف واضحة للإنتاج وخلق الثروة وتحسين الظروف المعيشية.
وكانت اللامركزية أحد الحلول المطروحة لتقليص الفوارق الجهوية، عبر تقريب القرار من المواطنين وتمكين الجماعات المحلية من تحديد أولوياتها التنموية. لكن تطبيقها ظل محدودًا بفعل صعوبات التمويل وضعف القدرات التنفيذية، ومع حل المجالس البلدية سنة 2023، تراجعت إحدى قنوات المشاركة المحلية. كما لم يتضح بعد أثر منظومة الحكم المحلي القائمة على البناء القاعدي في تغيير آليات اتخاذ القرار التنموي، في ظل الحاجة إلى إطار قانوني يمنح المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، وكذلك المجلس الوطني للجهات والأقاليم، صلاحيات فعلية وموارد تتيح لها اتخاذ القرار وتنفيذه، لا الاكتفاء بأدوار شكلية في اقتراح الأولويات.
ويزداد الأمر تعقيدًا مع النص الجديد المنظّم للبلديات، المرسوم عدد 4 لسنة 2026 الصادر في 30 سبتمبر الذي يثير مخاوف من إعادة تكريس تبعية القرار البلدي للسلطة الجهوية ممثلة في الوالي، على نحو يحدّ من استقلالية الجماعات المحلية. فإحداث هياكل جديدة لا يكفي لتقليص الفوارق الجهوية ما لم يقترن بصلاحيات واضحة وموارد كافية واستقلالية فعلية في اتخاذ القرار، إلى جانب آليات للمساءلة عن النتائج التنموية.
بعد 2021، طُرحت المصالحة الجزائية والشركات الأهلية بوصفهما آليتين لاسترجاع الأموال وتعبئة الموارد وإيجاد فرص اقتصادية، خصوصًا في المناطق الأقل تنمية. غير أن تقييم هذه الخيارات يقتضي التمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة. تشير المعطيات الرسمية عن تفاوت في أرقام الشركات الأهلية؛ إذ سجلت وزارة التشغيل في أوت 2025 حصول 255 شركة على المعرف الجبائي ودخول 55 شركة طور النشاط الفعلي، مقابل 236 شركة و60 شركة على التوالي، وفق معطيات إلى 15 نوفمبر 2025. ويثير هذا التراجع الظاهري تساؤلات حول منهجية الحصر وتحيين السجلات، بما يؤكد ضرورة توحيد البيانات الرسمية لضمان تقييم دقيق لتطور هذه التجربة ونتائجها الاقتصادية
لا يعني هذا الفارق أن التجربة محكوم عليها بالفشل لعّلة في الفكرة نفسها، أو بسبب أحكام مسبقة، لكنه يطرح أسئلة بشأن العوائق التمويلية والإدارية والتنظيمية التي تؤخر الانتقال من التأسيس القانوني إلى النشاط الاقتصادي. كما أن قياس نجاح هذه الشركات لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الشركات المحدثة أو المنطلقة في النشاط، بل يجب أن يشمل استمراريتها، وعدد فرص العمل التي توفرها، وقيمة إنتاجها، وقدرتها على الاستجابة لحاجات المناطق التي تنشط فيها.
وينطبق المبدأ نفسه على المصالحة الجزائية، التي تأثر مسارها بتغيّر رئاسة اللجنة المعنية وتعدّد التعديلات على الإطار القانوني المنظّم لها، بما يطرح تساؤلات حول استقرار آليات التنفيذ واستمرارية العمل. فالأموال المستهدف استرجاعها لا يمكن احتسابها موردًا تنمويًا قبل استرجاعها فعليًا، كما أن استرجاعها لا يضمن وحده تحقيق التنمية ما لم تُوجّه إلى مشاريع واضحة الأهداف وقابلة للتقييم. لذلك، لا يتوقف تقييم هذه المبادرة على أهدافها المعلنة، بل يشمل استقرار إطارها المؤسسي والقانوني، وشفافية إجراءاتها، ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية الفعلية.
في المقابل، توضح المؤشرات الرسمية للبنك المركزي التونسي عن استمرار الضغط على المالية العمومية. فقد بلغ عجز ميزانية الدولة سنة 2025 نحو 8.975 مليار دينار مليارات دينار، أي ما يعادل 24% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ الدين العمومي 141.665 مليار دينار، بما يعادل 82.1% من الناتج الخام.
تطرح هذه الأرقام سؤالًا حول قدرة الدولة على توظيف الموارد المتاحة لتوسيع الاستثمار المنتج، بدل أن تظل حاجاتها المالية المتزايدة تضيق هامش التحرك المتاح أمامها. فالمشكلة ليست في الاقتراض بحد ذاته، بل في مدى مساهمة الموارد المقترضة في توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص عمل، وتوليد قيمة مضافة تساعد على تخفيف أعباء التمويل مستقبلًا.
ولا تنفصل هذه المعادلة عن الأوضاع الاجتماعية. فقد سجل المرصد الاجتماعي التونسي 4,838 تحركًا احتجاجيًا بين جانفي ونوفمبر 2025، مقابل 2,638 تحركًا خلال الفترة نفسها من سنة 2024، بزيادة بلغت 83.4%. كما أشار تقرير المرصد إلى تنامي التحركات المدنية والسياسية خلال نوفمبر، وتقدم المطالب المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية على المطالب المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال ذلك الشهر.
ولا تثبت هذه الأرقام أن الاختيارات المالية وحدها تفسر الاحتجاجات، لكنها تشير إلى اتساع نطاق التعبئة وتعدد مطالبها. فالتشغيل والأوضاع المهنية والخدمات الأساسية والحقوق والحريات ملفات تتداخل في التجربة اليومية للمواطنين، وإن كانت لكل منها أسبابها ومساراتها الخاصة. وتزداد أهمية هذا الترابط عندما لا يشعر المواطن بأن السياسات العامة تحدث تغييرًا ملموسًا في ظروفه المعيشية أو تتيح له المشاركة في تحديد الأولويات.
وعليه، لا ينبغي أن يقتصر تقييم الميزانية على حجم الموارد التي تعبئها الدولة أو مقدار العجز الذي تتمكن من احتوائه، بل يجب أن يشمل النتائج التي تحققها هذه الموارد: هل توسع الاستثمار المنتج؟ هل تحسنت فرص العمل؟ هل تقلصت الفوارق بين الجهات؟ وهل أصبحت الخدمات الأساسية أكثر استجابة للحاجات الفعلية؟
وتكتسي الإشارة إلى عالمة الاقتصاد السياسي بياتريس إيبو أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تبيّن في دراساتها حول تونس أن الإصلاح لا يُختزل في مشروع للتحديث أو في تحسين آليات السوق، بل قد يتحول إلى خطاب متواصل وآلية لممارسة السلطة والضبط الاجتماعي، من دون أن يقود بالضرورة إلى تحول اقتصادي واجتماعي ملموس. فـ«الإصلاحية»، في تحليلها، ليست مجرد خطاب ذي آثار سلطوية، بل وسيلة فعلية للحكم وعملية إخضاع تُنتج وتعيد إنتاج علاقات التبعية بين الدولة والمواطنين. ومن هذا المنظور، لا يُقاس نجاح السياسة المالية بقدرتها على تعبئة الموارد وإدارة العجز فحسب، بل بمدى إسهامها في تغيير الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد إنتاج التفاوت والإقصاء، وتحويل الإصلاح من أداة لإدارة الأزمة إلى مسار يوسّع فرص المشاركة والاستفادة من التنمية ويخضع القرار العمومي للمساءلة، ضمن عملية إصلاح جذرية تحقق العدالة الاجتماعية.
في المحصلة، تُعدّ الشعارات ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي المدخل الأساسي لفهم ما حدث خلال مسار 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011. فقد ارتبطت المطالب آنذاك بالتشغيل والكرامة والعدالة الاجتماعية والجهوية، ولم تكن الحرية السياسية منفصلة عن الانتظارات الاقتصادية والاجتماعية. وما لم تُترجم هذه المطالب إلى تغييرات عميقة في نموذج السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ستظل الساحة السياسية هشّة ومفتوحة على التوتر، لا يمكن حسمها بالخطاب السياسي أو بالقوة الصلبة وحدهما. وحتى إن حُسمت جولة بأحدهما، فإن أسباب الاحتقان قد تبقى قائمة، وتظل الجولات اللاحقة مفتوحة على احتمالات يصعب التنبؤ بها.
ومن حق المحتجين التعبير عن مطالبهم والاحتجاج، ومن واجب السلطة، أيًّا كانت طبيعتها أو توجهاتها، أن تأخذ تلك المطالب بجدية، وأن تقدم إجابات عملية عنها، بدل الرهان على القوة أو على موازين القوى الإقليمية والدولية. فهذه الموازين متغيرة، وما يبدو اليوم ضمانة قد لا يكون كذلك غدًا.
إن الاستقرار لا يُبنى بمجرد احتواء الاحتجاجات أو تأمين الموارد اللازمة لتسيير الدولة، بل بقدرة السياسات العامة على معالجة الأسباب التي تجعل المطالب نفسها تتجدد. والميزانية، في هذا السياق، ليست مجرد جدول للإيرادات والنفقات، بل اختبار لمدى استعداد الدولة لتحويل مواردها إلى فرص عمل وخدمات أفضل وتنمية أكثر عدالة بين الجهات.
فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش حول المالية العمومية في تونس ليس فقط: كم ستجمع الدولة من الضرائب؟ بل أيضًا: ما الذي سيتغير فعليًا في حياة المواطنين مقابل ما يدفعونه؟
* صحفي وباحث في الاقتصاد السياسي