من أصل 107 آلاف مهندس تونسي، يعمل 47 ألفًا خارج البلاد، وفق الأرقام التي أعلنها رئيس عمادة المهندسين التونسيين محسن الغرسي. ولم تعد الهجرة مقتصرة على حديثي التخرّج الباحثين عن فرص مهنية أفضل، وامتدت إلى إطارات ذات خبرة راكمتها سنوات العمل في المؤسسات العمومية، في مؤشر يطرح أسئلة جدية بشأن قدرة الدولة على الاحتفاظ بكفاءاتها وضمان استمرارية المرافق الحيوية.
و أصبحت هجرة المهندسين، وفق تشخيص رئيس عمادة المهندسين التونسيين محسن الغرسي، نزيفا يطال أحد أهم موارد البلاد، الخبرة التقنية القادرة على إدارة المنشآت الحيوية، وصيانة البنية التحتية، والمساهمة في صياغة الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية.
وباتت موجة الهجرة باتت تشمل مهندسين أمضوا بين 15 و20 عامًا في الوظيفة العمومية، قبل أن يقرروا مغادرة مواقعهم والانتقال إلى الخارج رفقة عائلاتهم.
ويضع هذا التحول مسألة هجرة الكفاءات في سياق يتجاوز الخيارات الفردية، ليربطها بقدرة المؤسسات التونسية على تثمين خبراتها والاحتفاظ بها، وبمدى حضور المعرفة التقنية في إدارة الشأن العام.
ويميّز رئيس عمادة المهندسين بين مغادرة المهندس الشاب في بداية مساره المهني، بحثًا عن التكوين واكتساب الخبرة وتوسيع آفاقه، وبين رحيل مهندس راكم سنوات طويلة من العمل داخل الإدارة والمؤسسات الوطنية.
ففي الحالة الثانية، تخسر المؤسسة موظفا وتفقد، أيضا، معرفة عملية تتشكل تدريجيا من خلال التعامل مع التجهيزات والمنشآت، وفهم خصوصياتها، ومواجهة أعطالها، واكتساب القدرة على استباق المخاطر وتقدير الحلول الممكنة.
واعتبر الغرسي أن الوضع داخل بعض المؤسسات العمومية أصبح مقلقا، مشيرا إلى أن مغادرة المهندسين أثّرت في سير العمل داخل هياكل تابعة لوزارة التجهيز.
كما أشار إلى صعوبات تواجهها الديوان الوطني للتطهير في إعداد كراسات الشروط، بسبب نقص الكفاءات المتاحة.
وتكشف هذه الأمثلة عن أحد أكثر الأبعاد حساسية لهجرة الخبرات وهي تراجع القدرة الداخلية للمؤسسات على إنجاز مهامها باستقلالية ونجاعة.
فحين تتقلص الموارد البشرية المتخصصة، تصبح المشاريع أكثر عرضة للتأخير، وتزداد الحاجة إلى الاستعانة بخبرات خارجية، فيما تتراجع إمكانية نقل المعرفة إلى الأجيال المهنية الجديدة.
ويربط الغرسي موجة مغادرة المهندسين بشعور متراكم بعدم الاعتراف بقيمتهم، ماديا ومعنويا، معتبرا أن ضعف التثمين المهني كان من بين العوامل التي دفعتهم إلى التحرك احتجاجا على أوضاعهم، خصوصا خلال سنتي 2020 و2021.
ويعيد في هذا السياق التذكير بالخلاف الذي رافق إقرار منحة خصوصية لفائدة الأطباء والجامعيين والمهندسين، إثر اجتماع مجلس الأمن القومي سنة 2018، موضحا أن المهندسين العاملين في القطاع العام والمؤسسات الوطنية لم ينتفعوا بها، خلافا لبعض الأسلاك الأخرى.
وبحسب روايته، تعثّر تطبيق اتفاق أُبرم مع الحكومة في فيفري 2021، في ظل خلافات مع الاتحاد العام التونسي للشغل بشأن طبيعة تمثيل عمادة المهندسين ودورها.
وتكشف هذه التجربة عن جانب من الإشكال الذي يواجه المهنة، فالمهندس داخل المؤسسة العمومية لا يُقيّم دائمًا وفق حجم المسؤولية التقنية التي يتحملها، ولا وفق انعكاس عمله على استمرارية الخدمات وسلامة المنشآت وكلفة الإنتاج.
غير أن الأجور، على أهميتها، لا تفسر وحدها قرار المغادرة. فالمهني الذي يرى أن خبرته لا تجد طريقها إلى القرار، وأن مقترحاته الفنية لا تحظى بالاهتمام المطلوب، قد يعتبر أن فرص التطور والتأثير في الخارج أوسع من تلك المتاحة في بلاده.
وتقتضي معالجة النزيف النظر في منظومة التثمين بأكملها، من الأجور والمسارات المهنية إلى ظروف العمل، والاستقلالية الفنية، وإمكانية المشاركة في صياغة القرارات.
ويعتبر الغرسي أن المهندسين قادرون على تقديم حلول عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذه الحلول لا تجد دائمًا الاستجابة المطلوبة من المؤسسات المعنية.
ويستشهد في هذا السياق بدراسة أعدّتها العمادة بشأن انقطاعات الكهرباء خلال صيف 2026، قال إنها تناولت سبل استرجاع أكثر من نصف العجز المسجل في القدرة الكهربائية، والمقدّر بنحو ألفي ميغاواط، من خلال تحسين مردودية التوربينات وتجاوز بعض التعقيدات المرتبطة بالتزود بقطع الغيار.
وتتراجع مردودية التوربينات مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية، ما يستوجب تجهيزات ملائمة، كما أن توفير بعض القطع المستعجلة قد يستغرق يومين أو ثلاثة عند الاتصال المباشر بالمزوّد، مقابل نحو ثلاثة أشهر عبر إجراءات طلبات العروض التقليدية.
ويطرح هذا المثال، إشكال التوفيق بين متطلبات الرقابة الإدارية وسرعة التدخل في الحالات الطارئة. فالإجراءات التي تهدف إلى ضمان الشفافية وحسن التصرف في المال العام قد تتحول، إذا افتقرت إلى المرونة اللازمة، إلى عامل يعرقل الاستجابة للأزمات.
كما أشار الغرسي إلى أن العمادة أحالت دراستها إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة الطاقة والبرلمان والشركة التونسية للكهرباء والغاز، قبل نشرها، وقال إنها لم تتلقّ ردا رسميا بشأنها.
ولفت إلى الحضور الذي يحققه المهندسون التونسيون في الخارج، مشيرًا إلى توليهم مسؤوليات في مجالات حساسة، من الأمن السيبراني والقطاع المصرفي إلى المؤسسات متعددة الجنسيات.
ويعكس هذا الحضور قدرة التكوين الهندسي التونسي على إنتاج كفاءات قادرة على الاندماج في بيئات مهنية تنافسية، كما يكشف عن مفارقة تتمثل في أن الخبرات التي تجد فرصًا للتطور في الخارج قد تواجه، عند عودتها إلى البلاد، عقبات إدارية أو مهنية تحدّ من قدرتها على الاستقرار والعمل.
ويمتد تشخيص رئيس العمادة إلى منظومة التكوين الهندسي، التي يعتبرها من الملفات الأساسية المطروحة على المهنة.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة مطابقة البرامج التعليمية للمعايير الدولية، ووضوح إجراءات اعتماد الاختصاصات، وضمان الشفافية بشأن جودة التكوين، خاصة في التعليم العالي الخاص.
وأقرّ الغرسي بوجود مؤسسات خاصة جادة تحترم المعايير المطلوبة، لكنه يحذر في المقابل من مؤسسات قال إنها تقدم وعودًا لا تتناسب بالضرورة مع مستوى تكوينها، مشيرًا إلى تلقي العمادة شكاوى في هذا الشأن.
وأكد الغرسي أن العمادة تعمل على تطوير آليات تقييم المؤسسات، معتبرًا أن مراقبة جودة التكوين جزء من مسؤوليتها في تنظيم المهنة وحماية مصداقيتها.