تفرض كرة القدم أحكامها. مقولة يردّدها اللاعبون والمدرّبون ومسؤولو الفرق كلما “عكست” هم اللعبة وخسروا مقابلة او ما شابه. أنا أتحدث عن حكم آخر، هذا الذي قرر أن يجمع في نهائي كأس العالم لسنة 2026 كلا من إسبانيا والأرجنتين.
حكم يكمل غزو اسبانيا لما لم تنجزه أيام قوتها وسطوتها على البحار والمحيطات وهو الغزو – الكروي هذه المرة – للمنطقة الشرقية من الولايات المتحدة، حيث تقع منطقة نيويورك الكبرى والعاصمة السياسية واشنطن على سبيل الذكر، وحيث ستدور المقابلة الكروية.
اكثر من اسبانيا
هو غزو يضاف الى الغزو اللغوي الذي حققته اسبانيا هناك على اغلب الدول المكونة للمجموعة الأمريكية باعتبار أن الاسبانية هي اللغة الثانية بعد الإنقليزية في الولايات المتحدة حيث تشير أحدث التقديرات الى وجود نحو 65 مليون متحدث بها. بل ومن اللافت أن عدد المتحدثين الأصليين بالإسبانية في الولايات المتحدة يقارب أو يزيد عن عدد المتحدثين الأصليين بها في إسبانيا نفسها. وتعد كاليفورنيا الولاية الأعلى نسبة تحدثًا باللغة الاسبانية وفي تكساس فإن واحد من كل أربعة أشخاص يتحدث الإسبانية.
المرتبة الرابعة
في العالم، تجاوز عدد المتحدثين بالإسبانية 635 مليون شخص بحلول 2025، بزيادة قدرها 30 مليون خلال سنة واحدة فقط وفقًا لتقرير معهد ثربانتس السنوي الصادر عام 2025. وعلى العموم، تحتل الإسبانية المرتبة الرابعة عالميًا من حيث إجمالي عدد المتحدثين بها.
وبما أننا أشرنا إلى الأرجنتين فقد احتلتها اسبانيا بين سنتي 1532 و1533 ضمن حملة الغزو والاستعمار التي شملت آنذاك كلا من دولة بيرو ثم تشيلي والأرجنتين وكولومبيا وفنزويلا و الإكوادور.
قبلها بنحو 12 سنة شملت حملة الغزو الاسبانية كلا من أمريكا الوسطى والمكسيك.
وبداية من سنة 1513 وصل الأسبان إلى فلوريدا ولاحقًا إلى الجنوب الغربي الأمريكي (تكساس، نيومكسيكو، أريزونا، كاليفورنيا). وفي المحصلة، فرض الإسبان لغتهم ودينهم على معظم القارة الامريكية واستمر حكمهم حتى انطلاق حركات الاستقلال في أوائل القرن التاسع عشر (تقريبًا 1810-1820).
حادثتان منفصلتان
اذكر انني في بداية سنوات 80 من القرن الماضي، تسنّى لي السفر الى الولايات المتحدة بمساعدة من أخ فلسطيني كان يعمل في المركز الثقافي الأمريكي. عملت قبل السفر على مراجعة مكتسباتي في اللغة الانقليزية حتى أتمكن من مخاطبة الناس بها هناك.
بعد يومين او ثلاثة، خرجت بمفردي في نزهة في إحدى مناطق مدينة نيويورك. أضعت طريق العودة الى الفندق فالتجأت إلى أول شخص صادفته:
هل تتكلم انقليزي؟-
– تقصد أمريكي؟
– أليستا نفس اللغة
– لا. وانا افضّل الحديث بالإسبانية.
وللحقيقة كان النقاش معه وهو يتحدث اسباني أسهل باعتبار قرب أغلب مفرداتها من الفرنسية وباعتبار الإشارات التي كان يستعملها لإرشادي عن مكان الفندق.
في سنة 2008، سافرت الى مدينة قرطبة الاسبانية أتشمم رائحة قوم سكنوا هناك وبنوا وعمّروا ثم أُخرجوا منها.
وقفت في احدى الساحات، أتأمّل بعض الآثار واحاول تبيّن الحروف التي نُقشت عليها مثلما كان يفعل زوار آخرون.
وبما ان الساحة كانت تفضي الى 6 او 7 شوارع، سألت من صادفتهم قريبا منّي عن الشارع الذي يؤدي الى محطة القطار.
قال أحدهم معتذرا، آسف، لا أعرف، لأنني لست من هنا بل أنا أرجنتيني.
آخر القول ما قالته العرب: “أمطري حيث شئت فان خراجك لي.”
محمد بن يدري