تستمد منصات الصناعة السينمائية أهميتها من نوعية الأسئلة المحمولة على عاتق المشاريع وبقدرتها على التقاط التحولات التي يعيشها المجتمع العربي.
ومن هذه الزاوية، تبدو “أيام عمّان لصناع الأفلام”، التي تقام ضمن مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم ويديرها بسام الأسعد، أكثر من سوق للتمويل أو مساحة للتشبيك، إنها مختبر مبكر للأفكار التي قد تشكل بعضا من ملامح السينما العربية في السنوات المقبلة.
وضمن الدورة السابعة للمهرجان، استقبلت المنصة 154 مشروعا من مختلف الدول العربية، قبل أن يقع الاختيار على عدد محدود للمشاركة في منصات التطوير وما بعد الإنتاج.
وتكشف هذه الاختيارات، كما في الدورات السابقة، عن ميل واضح نحو سينما المؤلف، حيث تنطلق الأفلام من تجارب شخصية وأسئلة وجودية واجتماعية، أكثر من انشغالها بالسرد التقليدي أو بالرهانات التجارية.
وتنسجم المشاريع المختارة مع شعار الدورة، “ما وراء الإطار”، إذ لا تتوقف عند الحدث الظاهر، وإنما تتوغل في أثره النفسي والإنساني. فمن عناوين مثل “بين بيوت” لراية شعبان و”الميت بخير والأحياء قلقون” لفاطمة رشا شحادة و”بس بيناتنا، أوك؟”لحياة أبو سمرة و”أم العبد” لحمزة حميدة، و”غمضي يا وردة” لرولان حسن تبدو العائلة والذاكرة والهوية والهشاشة الإنسانية موضوعات مركزية في المشاريع الأردنية.
أما المشاريع العربية، فتعكس بدورها تنوعا في الجغرافيا والتجارب، لكنها تلتقي عند انشغالها بالإنسان العربي في مواجهة الحرب أو المنفى أو الذاكرة أو التحولات الاجتماعية.
من السودان يأتي محمد كردفاني بمشروع “عن الحب وقوانين سبتمبر”، فيما يحمل السوري زياد كلثوم مشروع “الزيارة الأخيرة”، وتقدم اللبنانية ليلى بسمة “رقصني”، ويشارك المصري خالد منصور بفيلم “أخاف يوم أقابلك”.
وتتواتر الحكايات من لبنان عبر” مينا” إخراج ماري روز الأسطا، ومن السعودية عبر “ذكرني أن أنسى إخراج لمى جمجوم، ومن ليبيا عبر “العساس” إخراج مهند الأمين، ومن الأردن قصر نظر إخراج أمجد الرشيد.، ومن السودان عبر “إلى أين أنتمي؟ ” إخراج إبراهيم أحمد “سنوبي”.
وتبرز المشاركة التونسية من خلال مشروع “لا شاماد” للمخرج لطفي عاشور، وهو حضور ينسجم مع المكانة التي تحتلها السينما التونسية داخل منصات التطوير العربية خلال السنوات الأخيرة. فقد اعتادت السينما التونسية أن تقدم مشاريع تنطلق من الواقع المحلي، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة على مخاطبة جمهور عالمي، وهو ما يجعل وجودها في مثل هذه المنصات امتداداً لمسارها الإنتاجي.
ولا يقتصر الحضور التونسي على المشاريع، إذ يشارك المخرج مهدي البرصاوي في لجنة تحكيم منصات التطوير وما بعد الإنتاج، مستندا إلى تجربته التي أوصلت أفلامه إلى أبرز المهرجانات الدولية. كما يحضر السينمائي سامي التليلي ضمن فريق مستشاري الصناعة، إلى جانب أسماء عربية وأوروبية، في مهمة تقوم على مرافقة المشاريع وتطويرها قبل وصولها إلى مرحلة العرض أمام المنتجين ولجان التحكيم.
وشملت المشاريع العربيّة في مرحلة ما بعد الإنتاج، افلام “أنا واحد منهم” إخراج السوري نديم سليمان، “أنا قادم يا إمام” إخراج الغراقي حسن صبري، و”بعد ثلاثة أعوام من اللون الأخضر” إخراج السوريين الأيهم علي وعمرو الشعشوع، و”أسطورة محمود” للقطريتين ميار حمدان وشيماء التميمي، وبيني وبينك إخراج اللبنانية ديما الجندي.
ومن بين المؤشرات اللافتة هذا العام، توسيع المهرجان دعمه للمواهب الأردنية عبر إطلاق حاضنة الفيلم القصير بالشراكة مع الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وهي مبادرة تستهدف خمسة عشر مشروعاً في مرحلة التطوير، بما يؤكد أن الاستثمار في السينما لا يبدأ عند إنتاج الفيلم، بل عند بناء الفكرة وصقلها وإيجاد البيئة المهنية القادرة على تحويلها إلى عمل قابل للإنجاز.
وتحاكي “أيام عمّان لصناع الأفلام” مساحة لرصد الاتجاهات الجديدة في السينما العربية. فالمشاريع المختارة لا تعكس فقط تنوعاً جغرافياً، بل تكشف أيضاً عن جيل من السينمائيين ينشغل بأسئلة الذاكرة والهوية والانتماء والعائلة وآثار الحروب والهجرة، ويبحث عن لغة سينمائية تتجاوز الحدث المباشر.