يستعد المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر لتقديم إصداره الجديد “أوروبيو تونس أواخر الزمن الاستعماري الفرنسي 1939-1964” للباحث بلال سعودي، الحائز على شهادة الدكتورا في التاريخ المعاصر سنة 2021، وذلك يوم الأحد 15 فيفري بفضاء مكتبة الكتاب بميتيال فيل. وقد عُهدت لعميد كلّية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة السابق، الدكتور كمال جرفال، مهمّة تقديم اللقاء الذي سيشارك فيه ثلة من أساتذة المعهد بالاضافة الى عدد من المهتمين بموضوع هذا البحث.
يعتبر كتاب “أوروبيو تونس أواخر الزمن الاستعماري الفرنسي1939-1964” لَبِنة جديدة ضمن مسار بحثي تاريخي متواصل يقوده المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر تحت إشراف المؤرخ خالد عبيد الذي تعهّد شخصيا بتقديم هذا المؤلَّف الجديد، وهو عبارة عن أطروحة الدكتورا لبلال سعودي حيث قام “بإعادة صياغتها مُختزلا الكثير من محتوياتها” .
وفي سياق تقديمه لهذا العمل نوّه الأستاذ خالد عبيد منذ البداية بالعنوان مشيرا الى أن “العنوان الذي اختاره بلال بليغ الدلالة، فمن الواضح أنّه رام منذ البداية أن يشمل بحثه كلّ أوروبيي تونس، فلا يقتصر على الجانب الفرنسي أو الايطالي كما هو شأن بعض الدراسات التي سبقته، وذلك حتى يتمكّن من أن يقدّم لقارئه نظرة ترنو إلى الشمولية – في معناها الايجابي- وحتّى نتمكّن بفضلها من فهم هذه الظاهرة الأجنبية المتمثلة في وجود أوروبي معظمه إفراز للوجود الاستعماري في تونس خاصّة في الهزيع الأخير من الاستعمار”.
وبحسب عبيد، فقد مكّن هذا البحث “من استيعاب المفارقة الهامّة الآتية : عندما تمكّن الجانب الفرنسي من أن “يطغى” عدديا ويهيمن مجاليًا على حساب بقيّة العناصر الأوروبية، وتحديدا الطرف الإيطالي الذي بات “ضحيّة” حقيقية لتداعيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي استغلّها الطرف الفرنسي كي يفرض هيمنته العددية والحضورية في كلّ المجالات التي من شأنها تأبيد الوجود الاستعماري الفرنسي في تونس، بدأت ملامح “السقوط” تتجلّى تدريجيا وما يعنيه من خسارة مؤكّدة لكلّ الامتيازات المنجرّة عن هذا الوجود، والتي يراها البعض من هذا الجانب الفرنسي حقا مكتسبا وشرعيا عليه التمسّك به”.
ويضيف الأستاذ خالد عبيد، مثمّنا ما خَلُص اليه الباحث من خلال أطروحته، أنه “بقدر ما بيّن لنا الأستاذ بلال سعودي طبيعة هذا الوجود الأوروبي في جميع مراحله خلال الثلث الأخير من الاستعمار، أفاض في التأكيد، ربّما عن غير قصد منه، بأنّ لغة الصدّ لتطلّعات الشعوب المحرومة من حرّيتها كما كان شأن تونس في تلك الفترة، والتي مارستها فرنسا الاستعمارية على التونسيين هي لغة مبهمة لا تؤدّي إلاّ إلى القتل، لذلك على الجميع أن يُعْرِض عنها ويستبدل بها لغة أخرى “حالمة” قد تظهر للبعض ذات ملامح طوباوية ولكنّها ضرورية، إنّها لغة تقوم على التقارب بين الشعوب والبحث عن الجوامع المشتركة تحقيقا للسلم الحضارية. وهنا بالذات، نجح الأستاذ بلال سعودي في الكشف عن هذه المزالق الواجب تجنّبها معتمدا على قراءة موضوعية هادئة عمادها المصادر”.
تجدر الإشارة الى أن الباحث بلال سعودي الذي اعتبره مدير المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، “ذي مِراس في التعامل مع المصادر عموما والأرشيفية منها خصوصا، ولديه القدرة على مقاربة/ مقارنة الوثائق بعضها ببعض لِيَسْبِرَ أغْوارها حتى يتيسّر له أن يكتب كتابة علمية موضوعية فيرقى بثبات في سلّم البحث التاريخي الأكاديمي”، له العديد من الكتابات من بينها كتاب مشترك باللغة الفرنسية مع الهادي السعيدي بعنوان “Le politique, Dieu et le savant” فضلا عن المشاركة في العديد من الدراسات ذات العلاقة باختصاصه.