في سينما زيد أبو حمدان، يولد الأبطال من قلب الهامش، حيث تتراكم الخسارات والوصم والعنف. هناك، يبحث المخرج الأردني عن الإنسان قبل أن يبحث عن الشخصية، وعن الأسباب قبل الأحكام. لا يكتب نساءه بوصفهن ضحايا، ولا رجاله بوصفهم جلادين، بل يقترب من المنطقة الرمادية التي تتشكل فيها المصائر تحت ضغط المجتمع والسلطة والحرمان.
بعد “بنات عبد الرحمن”، يواصل أبو حمدان في فيلمه “بومة” مساءلة البنى الاجتماعية التي تنتج الإقصاء، مستندًا إلى بحث طويل في حيوات أشخاص حقيقيين ظلوا خارج دائرة الاهتمام. بالنسبة إليه، ليست السينما وسيلة للإدانة، بل محاولة لفهم البشر، ومنح الصوت لمن اعتاد المجتمع أن يتحدث عنهم بدلًا من أن يستمع إليهم.
في هذا الحوار على هامش مهرجان عمّان السينمائي الدولي، يتحدث زيد أبو حمدان لرياليتي أون لاين عن علاقته بالمهمشين، وعن الأمومة بوصفها القلب النابض لفيلم “بومة”، وعن إيمانه بأن الطيبة لا تختفي من الإنسان مهما قست الظروف، كما يكشف كيف تتحول كل تجربة سينمائية إلى سؤال جديد يقوده نحو فيلمه التالي.
في أعمالك تبدو الشخصيات وكأنها تعيش على هامش المجتمع، لكنها في الحقيقة تكشف مركز أزماته. ما الذي يجذبك إلى هذه الشخصيات؟
السبب الرئيسي هو أنني أشعر بثورة الأشخاص المهمشين بالعالم العربي، كما أني رأيت أمي مهمّشة، ورأيت نفسي مهمشًا، رأيتني في فئة كان لديها مشكلة مع فكرة الرجل المثالي بالطريقة التي يفرضها المجتمع.
أنا لست كذلك، شخصيتي حساسة، ولا أمتلك هذه الصفات ، فكنت طوال العشرينات أعيش وأنا أحاول أن أقدم صورة غير حقيقية عن نفسي، صورة ترضي الناس. ثم جاءت مرحلة قلت فيها إن هذا ليس صحيحا.
أصنع هذه الأفلام عن هذه الشخصيات لأنني أريد مستقبلا أفضل لابنة أختي تالا ذات التسع سنوات ، وأريد أن تعيش حياة لا تضطر فيها إلى أن تحارب من أجل مساحتها، وأن تكون لها حقوقها ومكانتها، وأيضا لأبناء إخوتي لأن الذكور بعالمنا العربي ليسوا آمنين أيضا.
الذكورية لا تؤذي الإناث فقط بل تؤذي الذكور أيضا؟
نعم، وتسلط ضدهم عنفا نفسيا وجسديا.
في أفلامك لا توجد شخصيات بيضاء أو سوداء أخلاقيًا، بل مناطق رمادية واسعة. هل هو انعكاس لطريقتك في النظر إلى البشر؟
عمومًا، لا وجود للكمال، الشخص لا يولد شيطانا، الناس تصبح سيئة أو مؤذية بسبب الظروف التي تمر بها. وأنا لدي إيمان كبير بالطيبة.
في فيلم “بومة”، البطلة تفرض قانونها الخاص داخل اقتصاد غير رسمي. هل كنت مهتمًا بتفكيك مفهوم السلطة أم بإعادة تعريف الأمومة في بيئة لا تعترف بالضعف؟
الأمومة هي الثيمة المركزية في الفيلم، فكرة “بومة” مبنية على ثلاث شخصيات حقيقية في الأردن في الثمانينات والتسعينات والألفينات، ثلاث نساء لا يعرفن بعضهن والتقين في عالم “البلطجة” لأن لا خيارات أخرى أمامهن فثلاثتهن ولدن مجهولات النسب، وهذه الفئة تفتقد إلى الرعاية والحنان والأمان وتواجه الكراهية والعنف والوصم، فماذا نتوقع منها؟
في “بومة” أردت أن أظهر الشخصية في أول عشرين دقيقة بطريقة لا يحبها المشاهد، هي ليست بطلة، لقد آذت الكثير لكن لماذا أصبحت بهذه الحال؟ هذا هو السؤال.
دخول الطفلين إلى حياة “بومة” يقلب موازين الحكاية. لماذا اخترت أن يكون التغيير آتيًا من الطفولة لا من مواجهة مباشرة مع الخصوم؟
الطفلان يظهران في حياة “بومة” حينما تكون في حالة صعود إلى القمة في عالمها، وهما يذكرانها بنفسها وهي صغيرة حينما كانت تفتقد إلى السند والحب، دخلا قلبها غصبا عنها وعن الظروف.
هي تحاول أن تكون أما ولكن أما بشكل قوي ومختلف، ولكن هل حينما أصبحت حنونا كان الوقت قد تأخر؟
رغم حضور العنف في “بومة”، يبدو أن أكثر المعارك قسوة تدور داخل الشخصية نفسها. هل ترى أن الصراع النفسي أكثر أهمية من الصراع الخارجي؟
نعم في الفيلم طبيعة العالم الذي توجد فيه الشخصيات، تحتم وجود تفاصيل عن المخدرات، من باع لمن، ومن ضرب من، ومن أبلغ عن من، لكن هذه كلها في الفيلم تبقى قشورا في الخلفية.
نحن نتابع الحالة النفسية لهذه الشخصية، في البداية هي تحاول أن تصبح قوية، بمعنى ما تصبح الشخص المسيطر، لكنها هي تمضي بشيئين إثنين موسها وشرفها، نحن في الأردن مجتمع قبلي بالأساس، وهي لا عشيرة لها ولا قبيلة، لا تملك شيئا ترتكز عليه، تدخل عالم العنف بشكل كامل، ومستعدة لفعل أي شيء لأنها لا تملك خيارًا آخر.
كيف تصوغ مصائر الشخصيات في هذه العوالم وكيف تبني علاقتك بالفضاء السينمائي؟
ما يهمني أكثر هو الحقيقة، في “بنات عبد الرحمان” كان عندي مسارات عن حياة أمي وخالاتي وجدتي استلهمت منها، كنت اول حفيذ بعائلة أمي، وكنت أتنقل بينهن وكنت أرى حقيقتهن.
في “بومة” لا أعرف هذا العالم ولا إمرأة مثل الشخصية، أنا متطفل عليه، لهذا السبب تقريبًا قضيت سنتين ونصف أو ثلاث سنوات، في البحث مع العلم وأني قد بدأت هذا الفيلم قبل “بنات عبد الرحمان”.
وصلت إلى مرحلة جلست فيها ثلاثة أشهر في المنزل ، كان جسدي يؤلمني من شدة الألم النفسي الذي استبطنته، من كثرة المقابلات مع مجهولي النسب والاستماع إلى ما يعيشونه.. من يقول إن الفيلم موجع الحقيقة أشد وجعا.
أنا دائم الحرص على وجود لغة بالفضاء السينمائي ولكن ما يهمني أكثر من أن مهرجانا يحب فيلمي هو أن أكون حقيقيا تجاه الشخصية وبعدها اكون منفتحا على كل الاحتمالات.
بصفتك كاتبا ومخرجا في الوقت نفسه، هل تمنح الممثلين حرية إعادة اكتشاف الشخصيات، أم تتمسك بما كتبته على الورق؟
بالنسبة للتصوير، أفلامي دائما تعتمد على التحضير، في “بنات عبد الرحمن” قضينا شهرين أو ثلاثة أشهر في التدريبات. في “بومة” انطلقت الممثلة ركين سعيد تتدرب تدريبات جسدية قبل سنة ونصف من الفيلم، وقبل الدخول إلى التصوير بخمسة أو ستة أشهر كنا في الأردن وبدأنا نجتمع يوميا لإجراء البروفات.
وفي مرحلة ما، أريد أن أسمع رأي الممثل في كل تفصيل، لأن الممثل يجب أن يكون مقتنعًا بالشخصية التي سيعطيها من روحه.
تحدثنا انا وركين كثيرا وعندما وصلنا الى التصوير لم ترغب في تغيير أي شيء في النص ولكن في هذه المرحلة، حتى لو حدث ارتجال، يبقى داخل سياق الشخصية، لأن الممثل يجب أن يمتلك الحرية.
بعد تجربتي “بنات عبد الرحمان” وبومة” ما السؤال الذي ما زلت تحاول الإجابة عنه سينمائيًا ولم تجد له فيلمًا بعد؟
يوجد أسئلة كثيرة ..
بعد كل فيلم، وبحسب النقاش الذي يحدث مع الجمهور والتعدي الذي يطال الفيلم ، تتولد أسئلة جديدة. بعد “بنات عبد الرحمن”، مثلًا، هاجم الفيلم عدد من أعضاء البرلمان الأردني، وكأن كل المشاكل انتهت.
وفي الفيلم الثاني كنت أتحدث عن قضايا أخرى مثل البرلمان والفساد. أشعر دائمًا أن كل فيلم سيجيب عن الفيلم الذي سبقه، ليس فقط من أجل الشخصية، بل لأنني أحارب من أجل صوتي، لكي يبقى صوتي حاضرًا. وهناك الكثير من الشخصيات التي ما زلت أريد الحديث عنها.
المشروع القادم يتمحور حول فئة يعتبرها المجتمع من أكثر الفئات دونية، فئة نسائية يحكم عليها الناس قبل أن يسمعوا أصواتها، وينظرون إليها من خلال أحكام جاهزة. تعرفت على عدد من الشخصيات من هذا العالم، وأتحدث معهن لكي أعرف أين يكمن الوجع، وما الذي يرغبن هن في قوله. هؤلاء أشخاص من المستحيل أن يمنحهم أحد فرصة للحديث.
المرأة تتصدر أعمالك، لكنها ليست ضحية ولا بطلة مثالية. كيف تكتب شخصيات نسائية تحتفظ بكل تناقضاتها؟
لانه يعود إلى أنني تربيت مع خالاتي وجدتي شخصيات مختلفة تجمع كل المشاعر، وبسبب هذه التنشئة انا متصل جدا مع جزئي الانثوي وهذا الجزء كان يُحارب دائما، فمثلا حينما عرض “بنات عبد الرحمان” تعرض إلى حملة لأنه استفز الأشخاص الذين لا يريدون أن يتغير الوضع العام لا يريدون أن تنتزع منهم السلطة، هم ذكور بالأساس، وهم يتخوفون من الجزء الانثوي في لأنه يهز ذكوريتهم الهشة.
كيف تتعامل مع هذا الهجوم؟
أتحدى دائما وأرد بحب.. وفي النهاية الكل حر في إبداء رأيه شرط أن يكون في إطار حوار يحترم الجميع.