“سيدات الراي”، عرض يستعيد الموروث الغنائي الجزائري ويفتح ذاكرة الراي على أسئلتها الأولى، حين كانت أصوات النساء تحمل إلى الأغنية تفاصيل الحياة اليومية، وتقول ما يصعب قوله خارجها.
على ركح أيام قرطاج الموسيقية، حضرت أسماء من تاريخ الراي النسائي، وحضرت معها ذاكرة الجزائر الغربية، لكن العرض اختار ألا يضعها في إطار أرشيفي مغلق، وأعاد تقديمها من خلال صوتين معاصرين: الشيخة حجلة وفلة جابونية.
واستلهم العرض، الجزائري الفرنسي، تجربة مزيان عزايش في “مقهى باربيس”، واستعاد من خلالها بدايات الراي النسائية وأسماء مثل الشيخة الريميتي، خيرة قندل وزهرة بنت عودة والشيخة فضيلة، وغيرهن.
وهذه الأصوات جزء من تحول هذا الفن الاجتماعي والثقافي ، ومن قدرته على الاقتراب من الحب والجسد والرغبة والوجع والحياة اليومية بلغة مباشرة، أحياناً جريئة، وأحياناً ساخرة، لكنها في كل الحالات مرتبطة بالناس وبما يعيشونه.
وتقوم فلسفة “سيدات الراي” على استدعاء تاريخ نسوي كامل إلى الحاضر. وعلى الركح، بدت الشيخة حجلة وفلة جابونية وكأنهما تعيدان وصل خيط انقطع بين جيلين.
فكل واحدة منهما تحمل شخصيتها وحضورها، لكنهما تلتقيان عند تلك المساحة التي تركتها الشيخات في تاريخ الراي.
مغنيتان في المقدمة، وخلفهما فرقة موسيقية في مشهدية تحتفي بشخصيات نسائية صنعت جزءاً من ذاكرة هذا الفن، وترفض أن يكن أسماء عابرة في تاريخ الراي.
وكان للحضور البصري دوره في بناء هذه الذاكرة، الصور والوثائق والمشاهد المسرحية التي وضعت الأغنية داخل سياقها الاجتماعي والتاريخي.
ومع تواتر أسماء الشيخات وصورهن، استحضر العرص فضاءات قديمة للشيخات حيث تختلط الحكاية بالغناء، وحيث تصبح الأغنية مساحة للبوح الجماعي.
أما الموسيقى، فاختارت أن تظل قريبة من روح الراي، مع صياغة حية يقودها محمد عبد النور “Ptit Moh”، الذي تولى الإدارة الموسيقية والعزف على العود والإيقاعات، بمشاركة الشيخة حجلة وفلة جابونية وفرقة موسيقية تضم خمسة عازفين على الإيقاعات والكلاري والناي والقصبة.
واشتغل هذا التكوين على إبقاء نبض الراي واضحا مع منحه مساحة جديدة فوق الركح. وبين أغنية وأخرى، لم يكن الجمهور بعيداً عن هذه الرحلة.
وكان التفاعل مع العرض داخل قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة لافتا، ذلك أنه نابع من الموسيقى نفسها ومن إحساس الجمهور بأنه أمام جزء من ذاكرة قريبة منه، ذاكرة يعرف بعض أصواتها وأغانيها حتى وإن لم يعش بداياتها.
التصفيق، والانتباه إلى الحكايات، والتماهي في لحظات الغناء، والزغاريد والرقصات كلها جعلت العلاقة بين الركح والقاعة تتجاوز صيغة العرض التقليدي.
كانت الشيخات اللواتي استُدعيت أسماؤهن إلى الركح حاضرات أيضا في ذاكرة الجمهور، وتجسدت فكرة العرض الذي يكرم النساء اللواتي أسسن جزءاً من هذا الفن.
فاستعادة الشيخات تحيل إلى الاعتراف بأن الراي الذي نعرفه اليوم لم يُصنع بصوت الرجال وحدهم، وأن للنساء موقعاً أساسياً في تشكيل لغته ومساحاته التعبيرية.
وما يضيفه العرض أن هذا الاحتفاء لا يكتفي بالأسماء. فهو يستعيد أيضاً الظروف التي جعلت من “الشيخة” شخصية قادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب غنائي جماعي. في صوتها كانت الحياة اليومية تجد مكاناً لها، والحب، والفراق، والرغبة، والخيبة، والعلاقات، والواقع الاجتماعي.
لذلك كان الراي، منذ بداياته، أكثر من نمط موسيقي، كان طريقة للحديث عن الحياة حين تعجز اللغة العادية عن قول كل شيء.
ويحاكي حضور حجلة وفلة امتدادا للشيخات
فهما تستعيدان أثرهن وتعيدان وضعه في سياق معاصر. وبين الصوتين والفرقة الحية والصورة والحكاية، يتشكل حوار بين زمنين، بين أغنية ولدت في فضاءات شعبية وبين جمهور جديد يجلس اليوم في قاعة مهرجان موسيقي.
وراء العرض يقف مزيان عزايش في التصميم والإخراج المسرحي، بمشاركة جيرالدين بينيشو في الإخراج، وراجح مروان في الكتابة، فيما تولى عزيز سماتي الفيديو وأتيك لايبيديك الديكور.
و”سيدات الراي” عرض عن الشيخات وعن الذاكرة نفسها، وعن الطريقة التي تنتقل بها الأغنية من جيل إلى آخر.
فالشيخات اللواتي استعادهن العرض أصوات ما زالت قادرة على إثارة الأسئلة حول المرأة والمجتمع والحب والحرية والتعبير. وبين صوت حجلة وفلة، وبين العود والقصبة والإيقاعات، وبين الصور التي تستعيد وجوه الغائبات، مازال الراي يحتفظ بقدرته الأولى على تحويل الحياة إلى أغنية.