في أمسية امتزجت فيها مشاعر العرفان بالقيمة الفكرية والتاريخية، احتفى فوج القلعة الكبرى للكشافة التونسية بمقره بدار الكشاف، بتوقيع كتاب “الطاهر الفقيه: قائد ملهم وصاحب رؤية حوّلها لواقع ملموس” لمؤلفه الأستاذ جلال بن سعد.
شهد اللقاء حضورًا لافتًا لعشرات من أبناء الفوج، وممثلين عن أفواج كشفية شقيقة (أكودة، حمام سوسة، جوهرة، وسوسة)، إلى جانب عائلة الفقيد الراحل الطاهر بن الفقيه فرج (1954-2021)، في لمسة وفاء تؤسس لتقليد ثقافي يربط الحاضر بالماضي.
استهل المسؤول الأول عن فوج القلعة الكبرى، القائد عبد العزيز بوميزة هذا اللقاء الذي امتد على أكثر من ساعتين بتحية عرفان لروح الراحل القائد الكشفي الطاهر بن الفقيه فرج لجليل خدماته التي قدّمها لمنطقته ولعموم الكشفيين معتبرا أن الهدف من هذه البادرة هو إرساء عادة فكرية راقية. كما أثنى بوميزة على المجهود الكبير الذي بذله الأستاذ جلال بن سعد من أجل تجميع المادة التوثيقية وتوليفها بكل دقة موجها ايضا شكره الكبير لعائلة الفقيد الطاهر بن الفقيه فرج على التعاون الكبير الذي أبدته في سبيل ترك أثر يخلّد روحه وانجازاته.
القلعة الكبرى مهد الكفاءات والعقول
لم يحد الأستاذ جلال بن سعد مؤلٍّف هذا الكتاب عن القاعدة التي دأب على احترامها. حيث ما فتئ يتباهى ويفتخر بأبناء مدينته من المتميزين والذين صنعوا لأنفسهم أسماء لامعة في سماء الإبداع والتميز. معتبرا أن مدينة القلعة الكبرى هي مدينة الكفاءات والعقول بامتياز معرّجا في هذا السياق على العديد من الشخصيات “القلعية” ومن بينها الطاهر بن الفقيه فرج.
وفي هذا السياق استعرض بن سعد قائمة ضمت العديد من الأسماء من بينها يوسف القزاح الذي لقبه الأزهر بـ”علامة الشرق والغرب”، وعلي بن عامر رائد علم التفسير، والقائد العسكري علي بن بومعيزة، إضافة إلى الهادي شوشان أول متخرج تونسي من البوليتكنيك، وعبد الستار عاشوراء أول مترجم تونسي من السربون، وعفيف بن عبد السلام نائب مدير السربون حاليًا ومنية بيار التي تقلدت منصب عميدة كلية كامبريدج بانقلترا وتقوى حمريطة ووناس بن عامر رائد الحركة المسرحية والكشفية وغيرهم.
ولأن مجمل أعماله تغوص في أثر الماضين وتستكشف جوانب خفية من حياتهم فان جلال بن سعد لطالما دافع عن فكرة أساسة ” من يتنكر لماضيه لا يمكن أن يصنع مستقبله”، مؤكدًا أن الماضي هو “اللبنة الأساسية والاعتراف الواجب لرجالات كبار، من بينهم القائد الطاهر بن الفقيه فرج”.
كما سعى بن سعد خلال مداخلته الى ان يكون أمينا مع القارئ موضحًا أن عمله في هذا الكتاب تمثّل في تأليف وجمع الشهادات والصور والوثائق، حفاظًا على هذا الجزء من التاريخ المحلي.
حتى لا يبقى التاريخ ظل حبيس الذاكرة الشفوية
في تقديمه لكتاب “الطاهر الفقيه: قائد ملهم وصاحب رؤية حوّلها لواقع ملموس”، اعتبر الصحفي باذاعة المنستير محمد وليد الجموسي أن هذا الإصدار أشبه “بمعرض متنقل، يتيح للقارئ من خلال ما يحتويه من صور ووثائق وشهادات التعرف على شخصية ملهمة فعلاً في المجال الكشفي”.
واعتبر الجموسي أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظمة عريقة هو أن تفقد ذاكرتها، مشيرًا إلى أن الكشافة التونسية التي ساهمت في تربية أجيال من أبناء الوطن تزخر برجال ونساء صنعوا تاريخها، إلا أن جزءًا مهمًا من هذا التاريخ ظل حبيس الذاكرة الشفوية، معرّضًا للنسيان مع مرور الزمن. ومن هنا، تبرز، بحسب المتحدث، أهمية هذا الكتاب “الذي لا يقدّم مجرد سيرة ذاتية، بل يساهم في حفظ جزء من ذاكرة الحركة الكشفية التونسية، وخاصة في جهة الساحل”.
وتوقف الجموسي عند العلاقة الجامعة بين الكاتب جلال بن سعد وموضوع كتابه، موضحًا أنها علاقة تمزج بين الذاتي والموضوعي، إذ لم تجمع الكاتب بالفقيد سوى لقاءات قليلة حين ترأس اللجنة الثقافية بالقلعة الكبرى. غير أن ذلك لم يمنعه من إنجاز هذا العمل بروح الباحث، من خلال جمع الوثائق واستعادة عشرات الصور والبحث في الأرشيف ولقاء رفاق القائد الطاهر وتلامذته، ليخرج الكتاب في صيغة تجمع بين السرد التاريخي والوثيقة والشهادة والصورة.
وأشار الجموسي إلى أن الكتاب، الذي يمتد على أكثر من 130 صفحة، يستعرض مسيرة الطاهر بن الفقيه فرج الذي قضى أكثر من 40 سنة في خدمة الكشافة التونسية، مؤكدًا أن “عنوان الإصدار ليس عنوانًا إنشائيًا أو احتفاليًا، بل مفتاح لقراءة شخصية الراحل ومسيرته، إذ يختزل وصفا الإلهام والرؤية فلسفة كاملة في القيادة”. ويضيف المتحدث في هذا السياق الى أن “الإلهام وحده لا يصنع قائدًا، بل القائد الحقيقي هو من يحوّله إلى فعل ومشروع يلتف حوله الآخرون، وهذا ما جسّده الطاهر بن الفقيه فرج من خلال منحه الشباب الثقة وقيادتهم بالمثال قبل الكلمة”.
وتوقف محمد وليد الجموسي عند الشهادات المتعددة التي وردت في الكتاب، فاستحضر القائد عبد العزيز بوميزة بدايته مع الفقيد ووصفه بالرجل الذي احتضن الشباب ومنحهم الثقة، فيما أبرز القائد الأمين الفرادي حسه الاستشرافي النادر في صناعة القيادات الكشفية، إذ كان يرى في الشاب مشروع قائد قبل أن يراه في نفسه. أما القائد علي قعيدة فوصفه بأنه جمع بين الحزم والإنسانية وبين الانضباط والتواضع، في حين استرجع القائد منذر بالحاج مبارك ذكريات تمتد إلى سبعينات القرن الماضي، مؤكدًا وفاء الفقيد لقيمه رغم تغير الظروف. وسلط القائد الطاهر فتح الله الضوء على دقته في التنظيم الإداري، فيما اعتبر ابنه القائد سند بن الفقيه فرج أن الحديث عن والده ليس حديثًا عن قائد كشفي فحسب، بل عن شخصية أصبحت جزءًا من ذاكرة الكشفية.
وأكد الجموسي أن هذه الشهادات، رغم اختلاف أصحابها، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الفقيد لم يكن يصنع الأنشطة فقط، بل كان يصنع الرجال ويبني القيادات ويؤسس لمؤسسة قادرة على الاستمرار. كما شدد على حرص الراحل الدائم على أن تبقى الكشافة التونسية فضاءً تربويًا مستقلاً بعيدًا عن كل تجاذب سياسي أو اصطفاف إيديولوجي، إيمانًا منه بأن رسالتها تكمن في تربية الناشئة على المواطنة والانضباط، لا على الانقسام والاستقطاب.
لمسة وفاء لروح الطاهر بن الفقيه فرج
في ختام اللقاء تلت القائدة مفيدة القاسمي، قائدة باقة الرياحين للزهرات فوج القلعة الكبري ومسؤولة عن الفتيات في الفوج، نصّا احتفائيا بذكرى الفقيد القائد الطاهر بن الفقيه فرج، تحية اعتراف بالجميل لما قدّمه من أجل منظمته معتبرة ان رحلة الفقيد التي امتدت بين 2 سبتمبر 1954 و12 أوت 2021 “لم تكن مجرد حكاية، بل رحلة ضمّت حياة رجل ترك بصمة ستبقى حاضرة في كل من عرفه ومن سيتعرف عليه من خلال هذا الكتاب”.
كما اعتبرت القاسمي أن الطاهر بن الفقيه فرج “كان قائدًا ليس كسائر القادة، وإنسانًا خرق العادة، طاهرًا هرمًا في روحه وخلقه، وفقيهًا في المعرفة والعلم، وعى فوعّى. كان قائدنا رجل المفارقات: يجمع بين الشدة واللين في التعامل، وعلوّ الهمة والتواضع، والوقار وطيبة القلب”.
كما عرّجت المتحدثة على مسيرة الفقيد حيث أكدت أنه بدأ مسيرته مع فرقة ابن خلدون في مارس 1976، وهي أول فرقة كشفية عرفتها المنطقة، وكان موسم 1974/1973 تاريخ أول قيادة له في المنظمة الكشفية.كما أصبح قائد الفوج بين سنتي 1976 و1977، ثم تولى قيادة الفرقة الكشفية الشابة سنة 1979، وأسس فرقة حشاد التي ضمّت 33 قائدًا. وقد أحدث تحولًا كبيرًا في نوعية الأنشطة والتنظيم الإداري والمالي والأرشيف وتطوير التجهيزات.
كما تطرّقت القائدة مفيدة القاسمي الى مسألة اقتناء الأرض الذي شيدت عليها دار الكشاف المقر الرسمي لفوج القلعة الكبرى حيث اشارت الى ان الفقيد “كان قد حصل على شهادة الملكية سنة 2018 بمجهود دائم من القائد الطاهر بن فتح الله والقائد عبد العزيز بوميزة، اللذين كان لهما فضل كبير في هذا الإنجاز”.
واختتمت المتدخلة نصّها واصفة الطاهر بن الفقيه فرج بأنه “كطائر الفينيق أو العنقاء، وإن خبا جسده واندثر، فإن روحه القيادية خرجت من بين رماده أقوى وأكثر حيوية، متجسدة في كل هؤلاء القادة والقائدات. إنه رمز للأمل الذي لا يموت، على كل الدروب الجديدة واصل من أتوا بعده الطريق دون خوف، وهذا ما تحقق على يد أبناء وبنات القائد الطاهر الروحيين”.
قاعة جديدة وعائلة الفقيد في الموعد
حرص منظمو هذا اللقاء على أن يكون لقاء احتفاليا واحتفائيا بامتياز حيث تزامن تقديم كتاب “الطاهر الفقيه: قائد ملهم وصاحب رؤية حوّلها لواقع ملموس” مع تدشين قاعة جديدة وهي مكسب هام يضاف إلى دار الكشاف. وقد عُهِدت الى رجل الأعمال وابن الجهة حافظ الزواري مهمة تدشين هذه القاعة وذلك اعترافا من القائمين على مقر الفوج لما يقدمه الزواري من دعم لا متناهي لأنشطته وهو كذلك من بين أكبر المساهمين في تشييد هذا المنجز الهام.
ولعلّ من بين النقاط المضيئة أيضا خلال هذا اللقاء هو العفوية المطلقة في التدخلات والنقاشات حيث فتح القائد عبد العزيز بوميزة باب النقاش امام الحاضرين ليدلو كل بدلوه حول المواضيع ذات العلاقة بالفقيد خصوصا وبالشأن الكشفي عموما. ولعل من أبرز المداخلات تلك التي قدّمها محمد بن سعد الوالي الأسبق والمسؤول الأول عن المنظمات الشبابية صلب الحزب الاشتراكي الدستوري. حيث دعا بن سعد أبناء الكشافة التونسية من الشباب الى تحمل مسؤولياتهم واكتساب الفكر النقدي وبناء الذات من خلال تبني مشروع واضح يمكنهم من ان يصبحوا قادة معرّا في هذا السياق على البراغماتية والفكر البورقيبي الذي نجح في بناء لبنة شبابية كان لها الأثر الكبير في تكوين إطارات شبابية فاعلة.
كما تم في اختتام أشغال هذا اللقاء – الذي شهد ايضا حضور قيادات كشفية بارزة على غرار نور الدين الزواغي، عضو القيادة العامة نيابة عن القائد العام للكشافة التونسية، والقائد العام لجهة سوسة عبد الفتاح فضلا عن نشطاء من المجتمع المدني على غرار اسماعيل الغدامسي رئيس جمعية المحبة بالقلعة الكبرى- تكريم العائلة الموسعة للطاهر بن الفقيه فرج بمشاركة شقيقه الدكتور عبد الحميد وكذلك ابنه القائد سند الذي قدم شهادة حول جوانب خاصة في حياة والده معتبرا أنه كان السبب الرئيسي في التحاقه بالكشافة التونسية حيث نقل له شغف الإنتماء الى هذه المنظمة العريقة وشرفه منذ الصغر. حيث نشأ على القيم الكشفية كالانضباط وحب الوطن والذود عنه وحب التطوع وغيرها من القيم النبيلة التي تمثل عماد العمل الكشفي وديدن الكشفيين.













