ودّعت مدينة القلعة الكبرى مساء السبت 22 أوت 2026 الدورة 11 للمهرجان الصيفي “مرايا الفنون” من خلال حفل فني طربي أحيته على ركح مسرح الهواء الطلق بدار الثقافة بالجهة الفنانة المتألقة آية دغنوج التي عبرت عن اندهاشها الشديد لمدى حب الجماهير لها وتفاعله مع كل المقطوعات التي أدّتها هذه الفنانة التي اختتمت من بوابة القلعة الكبرى جولتها الصيفية هذه السنة.
خلال أكثر من الساعة والنصف كانت جماهير المهرجان المتعطّشة للفن الأصيل واللحن العذب والآداء الجميل مع فنانة حقيقية أدّت فأقنعت وتعاملت بكل عفوية وتلقائية مع جمهورها الذي توافد بأعداد كبيرة على الفضاء المخصص للعرض.
وخلال ردهات هذا اللقاء تفاعلت الجماهير وتسلطنت مع آداء آية دغنوج المتميز للعديد من الأغاني مثل “الحب كله” لكوكب الشرق و”رحلت علي وغابت” للفنانة صليحة و”ما عندي والي” للفنانة نعمة و”ناقوس تكلم” و”جيبولي خالي” واغاني من التراث الكافي و”بتونس بك” للفنانة وردة.
دورة في مستوى التطلّعات
المتابع لمختلف فعاليات هذه الدورة التي امتدت على تسعة أيام متواصلة يلاحظ مدى النضج الذي بلغته هذه التظاهرة الثقافية الصيفة. ولعل من أبرز ما يمكن التنويه به هو الثراء النوعي لهذا المهرجان من خلال تعدد الفقرات وانفتاح المهرجان على كل الفنون والأنماط الثقافية الممكنة من خلال العروض الموسيقية والفلكلورية(عرض فلكلور من الهند في إطار التعاون الدولي) والسينما (فيلم صاحبك راجل 2) والمسرح (قيامة شكسبير) والشعر (ليلة القوافي) والفنون التشكيلية (معرض جماعي) والأدب والشعر (مرايا الكتب) والفكر (ندوة “مستقبل العربية بين لغات العالم). وقد خلق هذا الثراء تميز هذا المهرجان وخصوصية بالمقارنة مع غيره من المهرجانات الصيفية في مختلف الجهات.
ويعد حرص إدارة المهرجان بقيادة عبد الحكيم بلعيد على المرور بهذه الدورة إلى بر الأمان من خلال توفير كل الضمانات الممكنة لنجاحه رغم الصعوبات الكبيرة لوجستيا وماديا من أهم النقاط الإيجابية. كما أن للدعم الذي يحظى به هذا المهرجان منذ تأسيسه من قبل وزارة الشؤون الثقافية والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة دور كبير في استمراريته وتطوّره من سنة إلى أخرى.
تحالف جمعياتي
من أهم ما يمكن الوقوف عنده أيضا خلال هذه الدورة أو حتى الدورات السابقة هو حرص إدارة جمعية إشراق للثقافة والفنون بالقلعة الكبرى، الجهة المنظِّمة للمهرجان، على مد جسور التواصل بينها و بين مختلف مكونات المجتمع المدني الأخرى. وقد أفضى هذا الحرص عقد شراكات فاعلة مع جمعيتي “علوم وتراث” و”الجمعية التونسية للتطوع فرع القلعة الكبرى”. حيث كانت مساهمة الأولى واضحة في إثراء محتوى المهرجان من خلال فقرة “مرايا الكتب” التي سهر على التنسيق لها رئيس منتدى فرج شوشان للثقافة والإعلام حسن بن علي. أما الثانية فقد سهرت على التأمين اللوجستي لمختلف فعاليات هذا الموعد الثقافي حيث أبدى محمد الناصر العكروت صحبة أبناء الجمعية من شابات وشبان حرفية عالية فضلا عن رفعة أخلاق كبيرة تنِمّ عن خبرة هامة في تأمين مثل هذه التظاهرات.
ويُعد هذا التعاون بين الجمعيات الثلاث نموذجا يُحتذى ودليلا لا يرقى إليه الشك أن التعاون بين الجمعيات والتكامل فيما بينها أمر ممكن فقط إذا توفّرت الإرادة الحقيقية بعيدا عن النرجسيات والاستعلاء.
لمسة وفاء
ت
عتبر فقرة تكريم فقيد الساحة القانونية في تونس العميد الصادق بلعيد، أستاذ القانون الدستوري وابن مدينة القلعة الكبرى، من النقاط المضيئة في هذا المهرجان الذي بلغ صيته مدى بعيدا.
وقد عبرت عائلة الفقيد عن عظيم امتنانها لهذه الخطوة التي قامت بها إدارة المهرجان عبر لمسة وفاء لكل من قدّم خدمات جليلة الى هذا الوطن. وهذا ليس بالغريب على مهرجان “مرايا الفنون” الذي كان قد كرّم في السنة الفارطة فقيد الساحتين الإعلامية والثقافية، فرج شوشان، الذي تم إطلاق اسمه أيضا على منتدى تم تأسيسه سنة 2025 ضمن جمعية علوم وتراث.
فضاء ثقافي جديد
الآن وقد انقضت الدورة 11 لهذا المهرجان الصيفي وجب الوقوف عند بعض النقاط السلبية من ذلك مثلا الفضاء المخصص للعروض والتابع لدار الثقافة الذي أصبح غير مؤهل لاحتضان المهرجانات والتظاهرات الثقافية من هذا النوع. حيث أن مساحته الصغيرة وتصميمه التقليدي اصبحا عائقا أمام تنظيم عروض ذات طابع جماهيري كبير فضلا على أن الجهة بأسرها لا تحتوي على فضاء مفتوح لاحتضان التظاهرات الكبرى وهو ما يجعل الدعوة ملحة لكل السلط المحلية والجهوية لإيجاد حل جذري لهه المسألة. هذا فضلا على أن تواجد مسرح الهواء الطلق لدار الثقافة يفتقد الى التأمين الكافي وهو ما كان سببا في تسجيل بعض التجاوزات في أكثر من مناسبة.

هيئة المهرجان تكرم الفنانة آية دغنوج
الدورة 11 لمهرجان مرايا الفنون بالقلعة الكبرى سجلت نجاحا لافتا بشهادة كل الحاضرين رغم بعض الهِنات وهو ما يجعل الساهرين على تنظيم هذه التظاهرة أمام حتمية المحافظة على هذا المستوى والعمل على تطوير هذا الموعد السنوي من خلال البحث عن عروض لا تقل قيمة عن التي تم تقديمها بل وحتى أحسن منها من أجل مزيد إشعاع المهرجان الذي ما انفك يفرض نفسه من سنة لأخرى كرقم صعب ضمن الخارطة الثقافية الوطنية.
أحلام بوبكر