بعض الأغاني ترفض أن يصبح الماضي ماضيا، تتجاوز الاستعادة ولا تكتفي بأن تُسمع، لأنها تحمل في داخلها ما هو أبعد من النغم، تحمل ذاكرة أمكنة، وأصوات غائبين، وحكايات شعوب، وأسئلة لم تجد بعد طريقها إلى الإجابات.
في مهرجان بوقرنين الدولي، جاء ثنائي “ولا مرّة” محمّلا بهذا النوع من الموسيقى، لم يصعدا إلى الركح ليعيدا تقديم التراث الشامي كما وصل إليهما، وإنما ليفتحا فيه نافذة على الحاضر.
عيسى مراد وأسلوب أخذا العود من دفئه الشرقي، ووضعاه في مواجهة الراب والبيتبوكس والإنتاجات الإلكترونية، وهما يبحثان عن لغة تستطيع أن تحمل الذاكرة القديمة إلى آذان جديدة، يتجلى التراث كمادة حية قابلة للسؤال.
ماذا يحدث للأغنية حين تنتقل من زمن إلى زمن؟ هل تتغير ذاكرتها حين يتغير إيقاعها؟
وهل يمكن لصوت العود أن يتجاور مع البيبوكس والراب من دون أن يفقد شيئاً من روحه؟
كل هذه الأسئلة وجدت أجوبتها على ركح مهرجان بوقرنين حيث تعانقت الموسيقى العربية مع إيقاعات حديثة، وانفتحت الأغنية الشامية على مساحات إلكترونية وراب وبيتبوكس.
وقد بدا المزج أحيانا، كأنه حوار بين زمنين، زمن كانت فيه الأغنية تسكن في الذاكرة والبيوت والساحات، وزمن صارت فيه الأصوات تعبر العالم بضغطة واحدة.
واستعاد الثنائي أغانٍ من التراث الشامي، أغان لا تختزن فقط ملامح الموسيقى الشرقية، بل تحفظ شيئا من تفاصيل الحياة اليومية، من الحنين، ومن الجماعة، ومن علاقة الإنسان بأرضه وناسه.
ثم دفعا بهذه الذاكرة إلى منطقة أكثر اتساعا، حيث تتقاطع الأغنية التراثية مع الأغنية النضالية، وحيث يصبح الصوت وسيلة أخرى لمقاومة النسيان، ومن هنا كان حضور الشيخ إمام بالغ الدلالة.
وتجاوزت “شيّد قصورك” و”إذا الشمس غرقت” استحضار أغنيات ارتبطت بزمنها، وبدتا كأنهما تستعيدان أسئلتهما في حاضر عربي لم يتوقف عن طرح الأسئلة نفسها بأشكال مختلفة.
وحينما صدح عيسى مراد بكلمات الشيخ إمام وحملها إلى البناء الموسيقي الجديد، بدا الماضي أقل بعدا، كأن عقوداً كاملة انكمشت فجأة داخل لحظة موسيقية واحدة.
فالأغنية التي كُتبت في زمنها لم تفقد قدرتها على مخاطبة زمن آخر، وهذا تحديداً ما يجعل التراث حيا.
وكانت فلسطين القلب الخفي والواضح لعرض “ولا مرة”، فهي الوجع المشترك والذاكرة التي لا تحتاج مؤثرات لإيقاظها، وهي المنزلة التي يتقاطع فيها الأمل والثورة والغضب.
ولما يغازل عيسى مراد العود بأنامله تتجلى ضحكات الأطفال وهم يتحدّون القصف وابتسامات الأمهات وهن لا يتوقفن عن الدعاء، وفي لحظة شجن عميقة تتهاطل كل التراجيديا الفلسطينية.
إلى اليومي الفلسطيني على وقع الاحتلال المختل، يلقي بنا صوته حيث سيول الدم التي لا تنضب وأكومة الركام التي لا تنتهي، ويركن أسلوب إلى البيتيوكس ليحاكي شرارات الثورات وتتعالى كلماته التي تروي المقاومة.
وفي لحظة بدت فيها المسافة بين الركح والمدرجات قصيرة إلى حد التلاشي، كانت التحية إلى غزة وشعبها العظيم تتقدم المشهد. ارتفعت الهتافات لفلسطين من المدرجات، ولم يعد الجمهور مجرد متلقٍّ للعرض، وصار جزءا من أدائه، يرد على الموسيقى بصوت آخر، ويمنحها معنى يتجاوز حدود النوتة والإيقاع.
وفي التداخل بين الغناء والهتاف، بين العود والبيتبوكس، وبين الذاكرة القديمة والتكنولوجيا الحديثة، بدت “ولا مرّة” وكأنها تقول إن الموسيقى لا تعيش فقط في الأصوات التي نسمعها، وإنما أيضا في القضايا التي تختار أن تحملها.
وعلى الركح، كانت الكوفية المطرزة تقول الكثير، ارتداها المشهد كما ترتدي الذاكرة علاماتها، وكان أسلوب بقميصه الموشّى بألوان الراية الفلسطينية، وقد كُتبت عليه كلمة “صامدون”، يبدو كأنه يحمل صرخة كل الفلسطينيين.
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتختصر المسافة بين الفن والواقع، حيث لم تعد الحدود واضحة بين ما يحدث فوق الركح وما يحدث حوله، العود يعزف، والراب يرفع صوته، والبيتبوكس ينسج إيقاعه، والجمهور يهتف لفلسطين.
كل شيء كان يتحول إلى صوت واحد، حتى بدا أن الموسيقى نفسها قد خرجت من حدودها لتصبح مساحة للقول الجماعي، وتصدرت غزة قلب المشهد.
وكانت تحية “ولا مرّة” لغزة أقرب إلى استدعاء للإنسان قبل الجغرافيا، تحية إلى شعب يُصرّ على البقاء، وإلى ذاكرة تحاول أن تحمي نفسها من المحو.
ولعلّ ما يميز مشروع الثنائي أن التراث عنده مادة قابلة لإعادة التشكيل، قابلة لأن تدخل إلى مختبر الراب والإلكترونيات، وأن تتجاور فيها المقامات العربية مع الإيقاعات الحديثة، من دون أن تفقد الأغنية أصلها أو ذاكرتها.
فالعود لم يكن مجرد آلة شرقية تستعيد حضورها التقليدي، والراب لم يكن زينة معاصرة تضاف إلى المشهد، والبيتبوكس لم يكن مجرد استعراض.
كل عنصر وجد مكانه داخل بناء موسيقي يريد أن يثبت أن الهوية ليست قالبا مغلقا، وأن الحفاظ على الذاكرة قد يمر أحيانا عبر إعادة اختراع الطريقة التي نحكي بها تلك الذاكرة.
وفي مسرح بوقرنين، لم تظهر الأغنية الشامية باعتبارها حنينا إلى زمن ومكان بعيدين، بل باعتبارها جسراً يصل المشرق بالمغرب العربي، ويجعل من المسرح التونسي نقطة لقاء لذاكرات عربية متعددة.
وفيما تتقاطع الأصوات وتجد الذاكرة العربية في الموسيقى طريقا آخر للعبور، تتحول الخشبة إلى خريطة لا تحتاج إلى حدود، فيها عود من الشرق، وراب من الحاضر، وبيتبوكس يصنع الإيقاع من الجسد، وإلكترونيات تفتح للأغنية فضاء جديدا، وفلسطين تقف في القلب، والشيخ إمام يعود من ذاكرة بعيدة ليجلس بيننا.
ولم تكن “ولا مرّة” تغني التراث فحسب، كانت تتساءل عمانفعل بذاكرتنا حين تصبح أثقل من أن نحملها بالصوت القديم وحده؟
وكان الجواب موسيقى، موسيقى لا تخشى أن تغيّر شكلها كي تحافظ على جوهرها.
وفي كل مرة يرتفع فيها الهتاف لفلسطين من مدارج بوقرنين، بدا أن الركح قد تجاوز وظيفته الأولى وصار مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالموقف، والأغنية بالإنسان، والفن بما يحدث خارج حدود المسرح.
وعلى إيقاع أغان تحاكي وشما قديما لا يغادر الذاكرة، تعود كلما احتاجت الجماعة إلى صوتها، كان ذلك الصوت في بوقرنين فلسطينيا، شاميا، وعربيا، كان حديثا بما يكفي ليصل إلى الحاضر، وعتيقا بما يكفي كي لا ينسى من أين جاء.